1150 بركة بلا سياج.. تحقيق يكشف خريطة الإهمال القاتل في شمال خراسان (تحقيق خاص) 

Image

تجذب الرغبة في السباحة الأطفال الأبرياء إليها، فيغوصون في الماء هربا من الحرارة الشديدة، دون أن يدركوا أنهم يغوصون إلى حتفهم في هذه الحفر التي تُعرف بـ “حفر الموت”.

في لحظة عابرة، تحولت بركة ماء زراعية إلى قبر مفتوح، رجل في الثالثة والثلاثين من عمره، أب لثلاثة أطفال، يدعى محمد رضا غلامي (اسم مستعار)، اقترب من حافة البركة لملء خزان جراره، خطوات قليلة، ثم انزلقت قدمه على الطين الرطب، لم يصرخ، لم يُسمع صوت، فقط صمت الماء العميق الذي ابتلع حياة أخرى.

Image

في صيف شمال خراسان الحارق، حيث يصل الزئبق إلى أربعين درجة تحت الشمس اللاهبة، يتحول الماء من نعمة إلى لعنة.. هناك، وسط الحقول اليابسة، تنتشر آلاف الحفر المستطيلة المبطنة بطبقة بلاستيكية سوداء لامعة، تبدو من بعيد كمرايا تعكس السماء الزرقاء، وتغري الأطفال والشباب ببريقها البارد، يسميها الأهالي “المسابح”، ويسميها الموت “فخاخا مثالية”.

كل صيف، تبتلع هذه البرك الزراعية أرواحا بريئة بصمت مرعب، لا صراخ يُسمع، لا طلب استغاثة يخرج من تحت الماء. فقط قدم تنزلق على الطين الرطب، أو طفل يقفز فرحاً، ثم يختفي إلى الأبد في العمق الأسود الزلق الذي لا يرحم.

Image

في تحقيق خاص يكشف “زاد إيران” حجم الكارثة الصامتة التي تحصد أرواح أبناء شمال خراسان كل صيف، ويوثّق قصص من فقدوا أبناءهم وإخوتهم وزوجاتهم في ثوانٍ، ويطرح السؤال المر: متى ستتوقف هذه البرك عن كونها مقابر مائية مفتوحة؟

1150 بركة زراعية متناثرة في القرى والضواحي الإيرانية، 72% منها بلا سياج، بلا لافتة تحذير، بلا سلم إنقاذ، وبلا أي رقيب أو حسيب، القاتل الحقيقي ليس الماء، بل الإهمال الممنهج، والتراخي في الترخيص، والتستر خلف عبارة “مشكلة المزارع الفردي”، بينما تتحول كل بركة إلى قبر مفتوح ينتظر ضحيته التالية.

في السنوات الخمس الأخيرة وحدها، سجّلت محافظة شمال خراسان أكثر من 87 حالة غرق في هذه البرك، معظمهم أطفال ومراهقون لم يتجاوزا الثامنة عشرة، في إيران تحولت البرك الزراعية التي بُنيت لري المزروعات إلى فخاخ موت صامتة، خاصة في محافظة خراسان الشمالية، حيث تفتقر معظمها إلى التراخيص والأسوار واللافتات التحذيرية، لتتحول إلى قبر مائي يبتلع الأطفال والشباب سنويا.

Image

في يوم الخميس 22 أبريل/ نيسان 2025، اهتزت قرية غراماب في قضاء سمالغان على وقع مأساة جديدة.. ثلاثة شبان كانوا يضحكون ويلهون حول بركة زراعية للسباحة، فابتلعتهم المياه في لحظات، تلك القرية التي تقع في الجزء الأوسط من مقاطعة سامالقان، محافظة شمال خراسان، تُعرف بأنها مركز منطقة جيرانسو الريفية، وبسبب السياق الزراعي للمنطقة، فهي تحتوي على عدد كبير من أحواض تخزين المياه الزراعية، والتي تصبح في بعض الأحيان خلال المواسم الحارة من العام مكانًا للسباحة والترفيه لبعض الناس، خاصة المراهقين والشباب المحليين، وأطلقت منظمات الإغاثة وإدارة الأزمات في المقاطعة تحذيرات متكررة حول مخاطر السباحة في البرك الزراعية.

إلا أن تجاهل هذه التحذيرات ما زال يؤدي إلى حوادث مأساوية لا يمكن إصلاحها.

أكد إبراهيم سارمي، نائب مدير الإغاثة والإنقاذ في الهلال الأحمر بالمحافظة، من موقع الحادث: “تلقينا بلاغا بغرق ثلاثة أشخاص، هرعت فرق الاستجابة السريعة فوراً، انتشلنا جثتين بلا حياة، وبعد ساعات من البحث عثرنا على الثالث ميتاً أيضا”.

السبب الخفي: 

طبقة الجيوممبرين النانوية التي تُغطي قاع وجوانب معظم البرك الزراعية الحديثة لمنع تسرب المياه.. يوضح سامان محمدي، مدير إدارة المياه والتربة في مديرية الزراعة بالمحافظة: “السطح زلق تماما، حتى السباح المحترف لا يستطيع الصعود لوحده، النجاة الوحيدة رمي حبل أو أداة إنقاذ من الخارج، وإلا فالموت محتوم”.

الأرقام تروي قصة متكررة:

إن أهالي محافظة شمال خراسان ليسوا غرباء عن حوادث الغرق العرضية للأطفال والشباب، وهذه أحدث إحصاءات المكتب العام للطب الشرعي في خراسان الشمالية: 

Image

الأطفال والمراهقون لا يعرفون حتى أن هذه المسابح خطيرة، ولا توجد علامات تحذيرية، ولا يوجد أحد لرفع الوعي.

وفي السنوات السابقة تراوحت الأعداد بين 11 و17 ضحية سنويا، حسب إحصاءات الطب الشرعي بالمحافظة.

في خراسان الشمالية وحدها يوجد 1150 بركة زراعية، كثير منها بدون تصريح وبدون أي إجراءات سلامة، لا أسوار، لا سلالم، لا عوامات إنقاذ، ولا حتى لافتة تحذير واحدة.

قال المدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر في شمال خراسان، أبو الفضل محبان، إنه بعد الإبلاغ عن الحادث، تم إرسال فريق غوص متخصص وفريق تقييم إلى مكان الحادث، لكن الوقت كان قد فات؛ حيث تم انتشال جثة الشاب من الماء، لم يكن الضحية الوحيد لهذه البرك.

Image

في السابق، لقي ثلاثة مراهقين من قرية غارماب بمنطقة سمالقان، حتفهم في بركة زراعية بسبب إهمال إجراءات السلامة، والآن، وفي فترة وجيزة، وقعت ثاني حادثة مميتة من هذا النوع في المنطقة نفسها خلال 45 يوما في برك زراعية والرقم 17 في سجلات الحوادث الموثقة خلال السنوات الخمس الأخيرة، بحسب تقارير رسمية من إدارة الطب الشرعي في بجنورد وجمعية الهلال الأحمر.

“كان يريد فقط أن يروي حقله.. لم يكن يسبح، لم يكن يلعب كان يعمل”

— تروي زوجة الضحية، تفاصيل حادث البركة التي ابتلعت محمد رضا وتقع في قرية غازي، على بعد 12 كيلومترا من مركز سمالقان، مساحتها 800 متر مربع، عمقها 4.5 أمتار، وجدرانها من الطين المضغوط دون أي سياج أو لوحة تحذير، بتكلفة متواضعة أقل من 350 مليون ريال، بحسب فواتير المقاول المحلي، لكن تكلفة الإهمال؟ حياة بشرية.

في تقرير خاص من إدارة الموارد المائية في شمال خراسان، يتبين أن 72% من البرك الزراعية في المحافظة (أي أكثر من 828 بركة من أصل 1150) لا تتوفر فيها أدنى معايير السلامة:

WhatsApp Image 2025 12 14 at 4.44.18 PM (1)

قصة لم تنتهِ

قبل عامين، في قرية غارماب، كان ثلاثة مراهقين – علي (15 عاما)، حسين (14 عاما)، ومهدي (16 عاما) – يلعبون بالقرب من بركة زراعية. الجو حار، الماء يبدو بارداً ومغريا.. قفزوا ولكن لم يخرج أحد، البركة كانت بلا سياج، بلا عمق محدد، بلا إشراف، تم انتشال جثثهم بعد 6 ساعات. 

تقرير الهلال الأحمر يصف الحالة: “غرق جماعي بسبب انزلاق على حافة طينية غير مستقرة”، الأم الثكلى، فاطمة أحمدي، لا تزال تحتفظ بصورة ابنها علي وهو يرتدي قميصه المدرسي، تقول الأم وهي تبكي: “لو كان هناك سياج بسيط، لكان ابني اليوم في الصف العاشر”

1150 بركة.. وصفر مسؤولية؟

البرك الزراعية وجهٌ آخر لعملاق الجفاف ذي الوجوه الألف، ويتجلى جبن هذه الظاهرة في هذه القصة. لجأ المزارعون الذين يشبهون الفطر إلى إنشاء برك لتخزين المياه، لكن في كثير من الأحيان تكون هذه الحفر بلا أسوار أو جدران، في شمال خراسان، حيث يعاني 61% من الأراضي الزراعية من الجفاف المزمن (تقرير وزارة الزراعة 2024)، أصبحت البرك الزراعية “شريان حياة”، لكنها تحولت إلى مقابر مفتوحة.

Image

الناجون.. ضحايا لا يُحسبون

الأمهات اللاتي كن ينتظرن طفلا، والزوجات اللاتي فقدن أزواجهن في الماء، والأطفال الذين يجب أن يكبروا مع كابوس الغرق في “المسبح اللعين”، هذا الجرح لا يخدش قلب عائلة واحدة فقط، بل قلوب القرية وأهل المنطقة أجمعين، الخوف من التكرار، وحزن الخسارة، والمرارة التي لا تنتهي لحادث كان من الممكن منعه بقليل من الإجراءات الاحترازية والرقابية، على سبيل المثال؛ في قرية كلاته نو، نجت زهراء (9 سنوات) من الغرق بأعجوبة، حيث كانت تلعب مع شقيقها عند حافة بركة فانزلقت، ثم سحبها مزارع مرّ بالصدفة، لكن الكابوس لم ينته، زهراء تعاني الآن من “فوبيا الماء”، ولا تقترب من أي مصدر مائي، حتى الصنبور.

والدة الطفلة الناجية من الغرق، تقول: “كل ليلة تصرخ ابنتي: ‘الماء يأكلني!’.. من يعوض طفولتها المسروقة؟”

ماذا يقول المسؤولون؟

يقول المهندس حسين أكبري، خبير سلامة المياه في جامعة بجنورد: “سياج حديدي بارتفاع مترين يكلف أقل من سعر هاتف ذكي متوسط، لكننا نرفض تركيبه لأن ‘الميزانية محدودة'”.

وفيات متكررة في البرك الزراعية بشمال خراسان: إهمال ممنهج يحوّل الماء إلى قاتل صامت، في المحافظة، حيث لم تعد حوادث الغرق في البرك الزراعية مجرد “حوادث عرضية”، بل تحولت إلى نمط مأساوي متكرر يودي بحياة الأطفال والشباب سنويا، وسط اتهامات متزايدة بالإهمال المؤسسي والفوضى الهيكلية.

رغم أن القانون الإيراني يلزم كل مشغّل أو مالك بركة زراعية بتأمينها بأسوار وأجهزة إنذار ومعدات إنقاذ، فإن غياب الرقابة الفعلية ونقص التمويل وتشتت المسؤوليات بين الإدارات الزراعية والموارد المائية والمجالس القروية والمحلية جعل هذه النصوص القانونية حبرا على ورق، وعند وقوع كل كارثة جديدة، تتكرر الإجابات الرسمية نفسها: “المشغّل هو المسؤول عن السلامة”، “نحن أعطينا الإذن فقط”، “ليس مشروعاً وطنياً ولا توجد ميزانية مخصصة”

وتكشف هذه التبريرات، بحسب مراقبين وأهالي الضحايا، عن خلل جوهري في منظومة المساءلة، حيث يتحول الماء الذي يُفترض أن يكون مصدر رزق وعامل حياة في منطقة تعاني ندرة الموارد الزراعية إلى أكبر تهديد لحياة سكانها.

الحلول المطلوبة 

Image

خلف كل رقم أم تبكي ابنا لن يعود، وأب يتمنى لو كان يعلم أن «مسبح التبرّد» قاتل صامت.

خبراء السلامة ونشطاء محليون يطالبون بحزمة إجراءات عاجلة وهي:

• حملات توعية مكثفة في القرى والمدن تستهدف الأسر والمزارعين.

• تشديد الرقابة على منح التراخيص ومنع إنشاء أي بركة جديدة دون استيفاء شروط السلامة.

Image

• إلزام مالكي البرك القائمة بتركيب أسوار حديدية وأجهزة إنذار ومعدات إنقاذ خلال مهلة زمنية محددة.

• تخصيص دعم مالي مباشر أو قروض ميسرة للمزارعين لتغطية تكاليف تأمين البرك.

• تفعيل دور المجتمع المحلي في الإبلاغ الفوري عن أي بركة غير مؤمنة.

في بلد تُعدّ فيه كل قطرة ماء ثروة وطنية، لا يمكن القبول بأن تستمر هذه “الوفيات الصامتة” تحويل البرك الزراعية من فخاخ موت إلى مصادر آمنة للري بات ضرورة إنسانية وقانونية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.

كلمات مفتاحية: