- زاد إيران - المحرر
- 531 Views
كتب: الترجمان
في الترجمة السياسية، ليست كل المعارك مع كلمات ثقيلة أو مصطلحات عميقة، أحيانا يكفي حرف واحد ليُدخل المترجم في نفق مظلم، أو يضعه في موقف لا يحسُد عليه حتى لو كان يتمتع بأعصاب فولاذية. ومن بين أكثر الكلمات التي صنعت كوارث لغوية بين العربية والفارسية تأتي كلمة واحدة بريئة المظهر، خطيرة الأثر:
“انتصاب”

مرّة أخرى كنت في غرفة الترجمة في موقع “زاد إيران”، أراجع الأخبار الحكومية اليومية. وبينما أتصفّح الملفات، وقعت عيناي على عنوان أحمر متجهّم يبدو وكأنه يحمل فضيحة سياسية:
“الرئيس الإيراني أصدر قرارا مثيرا بشأن انتصاب أحد المسؤولين”
توقفت.
تنهّدت.
ثم رفعت رأسي ببطء شديد، تماما كما يفعل من يحاول أن يعالج صدمة مفاجئة.
هل حقا كتب زميلي أن الرئيس أصدر قرارا بشأن “انتصاب” قائد جديد؟
وهل كانت الصيغة “مثيرا” اختيارا بريئا أم مزحة ثقيلة خرجت عن السيطرة؟
فتحت النص الفارسي الأصلي لأتأكد من الأمر، فإذا به يقول:
«رئیسجمهور ایران حکم انتصاب یکی از مسئولان را صادر کرد.»
وكما يعرف أي مترجم مبتدئ من أول أسبوع في العمل، فـانتصاب في الفارسية لا علاقة لها بالمفهوم البيولوجي إطلاقا، بل تعني التعيين في منصب رسمي أو تكليف الشخص بمهام جديدة.
لكن المترجم -سامحه الله- اعتمد على القاموس العربي في رأسه بدل عقله، واعتبر أن الكلمة كما تُقرأ بالعربية هي نفسها معناها، فخرج علينا بخبر يبدو وكأنه من قسم الفضائح، لا من قسم السياسة!
استدعيت المترجم، وقلت له بهدوء آدمي يحاول ألا ينفجر بالضحك:
– لماذا ترجمت “انتصاب” كما هي؟
قال بثقة:
– لأنها نفس الكلمة، مثل العربية!
فقلت له وأنا أضع يدي على جبيني:
– نعم… لكنها هناك تعني تعيينا، وهنا تعني… شيئا آخر تماما. وقد حوّلت الرئيس من رئيس دولة إلى رجل في إعلان طبي مشبوه!
جلسنا نراجع أثر هذا الخطأ على القارئ.
فالقارئ العربي الذي يصادف العنوان سيُصاب بصدمة لغوية، وربما يظن — عن قناعة أو تشويق — أننا أمام فضيحة أخلاقية، أو سوء استخدام لموقع رسمي، أو حتى خطأ طبي في مكتب الرئاسة!
بينما الحقيقة بسيطة جدا: الرئيس عيّن شخصا في منصب. لا أكثر ولا أقل.
وهنا تتجلّى خطورة هذه الكلمة تحديدا، لأنها كلمة متشابهة ظاهريا، متباعدة دلاليا، بل تُعَد من أخطر ما يمكن أن يقع فيه مترجم لا يعرف السياق الإيراني.
هناك كلمات أخرى تشبهها في الفارسية، لكن كلمة انتصاب تتربع على عرش الكوارث، لأنها في العربية ذات حمولة حساسة جدا، بينما في الفارسية مصطلح يومي في الصحافة الرسمية.
قلت له في نهاية النقاش، وأنا أحاول إخفاء ابتسامة ساخرة:
– تخيّل لو ترجم إيراني خبرا عربيا يقول: “تعيين وكيل وزارة” إلى “انتصاب وزير”! سيبدو الأمر وكأن الحكومة تمرّ بأزمة فسيولوجية لا سياسية.
ضحك، واعتذر، وتعلّم الدرس الأهم في الترجمة:
الكلمة ليست ما يشبهها، بل ما تعنيه في سياقها وثقافتها.
وفي نهاية اليوم صححنا الخبر، ونجونا من نشر عنوان كان سيصنع زوبعة لا تنتهي في التعليقات.
وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين

