حين يتكلم الوزير الذي لم يعد وزيرا!

في عالم الأخبار والتحليلات السياسية، حيث تُبنى المواقف على الكلمات، وتُرسم السياسات أحيانا من خلال سطر مترجَم، تصبح الترجمة أكثر من مجرد نقل لغوي، بل مسؤولية معرفية وثقافية دقيقة.

ومع كل دقة مطلوبة، لا تخلو غرف الترجمة من الطرائف، ولا يمرّ العمل دون هفوات، بعضها عابر، وبعضها يصنع فرقا بين “موقف الدولة” و”رأي المعلق”!

هفوة في اسم، افتراض في منصب، أو قفز إلى استنتاج بلا تحقق… كل ذلك قد يقلب المعنى رأسا على عقب، ويحوّل المترجم من ناقل أمين إلى صانع للارتباك السياسي، ومن الممكن أن يتسبب في فقدان المصداقية للموقع، وربما يتحول الأمر لأبعد من ذلك.

في نادرة أخرى لا تقل طرافة عن سابقاتها، وقعت زميلة جديدة في مطبّ أكثر شيوعا مما نعتقد، وهو مطبّ “الزمن السياسي”.
كانت الترجمة تتناول تقريرا عن أحد قرارات حكومة مسعود بزشكيان، وقد ورد في التقرير اسم الوزير السابق إحسان خاندوزي، وزير الاقتصاد في حكومة إبراهيم رئيسي، على لسان أحد المحللين، وهو يعقّب على سياسات الحكومة السابقة مقارنة بالمرحلة الجديدة.

لكن المترجمة، ومن دون التوقف عند سياق الحديث أو خلفية الشخص، نقلت الترجمة بهذا الشكل:

“قال وزير الاقتصاد الإيراني إحسان خاندوزي، إن الحكومة الحالية ستواجه تحديات مالية أكبر مما كانت عليه في السابق”.

توقفتُ عند الجملة، فهناك شيء لم يكن مريحا… إحسان خاندوزي؟ وزير الاقتصاد في حكومة بزشكيان؟! لا يمكن!

رجعت إلى النص الفارسي، وإذ بالمفاجأة، فقد كان النص مكتوبا على النحو التالي:

“احسان خاندوزی، وزیر اقتصاد ایران در دولت سیزدهم، گفت: دولت کنونی با چالش‌های مالی بزرگ‌ تری نسبت به گذشته مواجه خواهد شد”.

والترجمة الصحيحة هي: ” قال وزير الاقتصاد الإيراني في حكومة إبراهيم رئيسي، إحسان خاندوزي، إن الحكومة الحالية ستواجه تحديات مالية أكبر مما كانت عليه في السابق”.

المشكلة هنا لم تكن فقط في نقل اسم خاطئ، بل في نقل تصريح منسوب إلى مسؤول لا يشغل المنصب أصلا! وهو ما قد يُفهم في بعض السياقات وكأنه موقف رسمي للحكومة الحالية، بينما هو في الحقيقة مجرد تعليق من وزير سابق لا يمثّل السلطة التنفيذية الحالية.

قلت للمترجمة بلطف: “هل تأكدتِ من أن خاندوزي لا يزال وزيرا؟”.

فقالت بثقة: “هو مكتوب: قال وزير الاقتصاد الإيراني…”.

قلت لها: “صحيح، لكن هل سألتِ نفسك: وزير في أي حكومة؟ متى صرّح؟ ومن يصرّح حاليا؟”.

في الترجمة السياسية، لا نترجم الأسماء فقط، بل نترجم اللحظة، والموقع الرسمي، والسياق الزمني.

أن تضع وزيرا سابقا في مقعد وزير حالي، يشبه أن تُبقي قائد المنتخب القديم في التشكيلة الجديدة لمجرد أن اسمه مألوف!

الزمن السياسي يتحرك، وما يصلح أمس قد يصبح اليوم خطأ فادحا، وكل سقطة من هذه السقطات، تعيدنا إلى القاعدة الذهبية: لا تحفظ المناصب، راجعها،  فالمناصب في إيران – كما في كثير من الدول – تتغير سريعا، ومن ينام نائبا قد يستيقظ معزولا!

وهكذا، تبقى الترجمة السياسية مهنة لا تحتمل التساهل، بل تتطلب وعيا بكل متغيّر، وانتباها لا يكتفي بالنصوص بل يقرأ خلفها، ويفهم زمانها ومكانها، فالهفوة التي قد تبدو بسيطة على الورق، قد تكون لها تبعات كبيرة في الواقع، وتكفي لحرف الفهم، أو تشويه الموقف، أو إرباك القارئ وصانع القرار معا.

وفي النهاية، ليس المطلوب من المترجم أن يعرف كل شيء، بل أن يسأل حين يجهل، ويتحقق حين يشك، ويترجم لا فقط ما قيل، بل ما كان يُقصد قوله في سياقه الصحيح.

وإلى اللقاء في حكاية أخرى، وقصة أخرى من كواليس غرفة الترجمة.