علي أكبر بورجمشيديان.. بطل الحرب ومهندس أمن الأربعين في إيران 

في خطوة تعكس طموح إيران لتعزيز استقرارها الداخلي، أعلن وزير الداخلية إسكندر مؤمني تعيين علي أكبر بورجمشيديان نائبا لوزير الأمن وإنفاذ القانون يحمل على كتفيه إرثا من النضال في الحروب ومواجهة التحديات السياسية، بورجمشيديان ليس مجرد اسم في سجل التعيينات، بل رمز للصمود والدفاع عن قيم الثورة الإسلامية، مما يجعله شخصية محورية في مسيرة الأمن القومي الإيراني.

وُلد علي أكبر بورجمشيديان في عام 1962، في فترة كانت إيران على أعتاب تغييرات جذرية، حيث نشأ في بيئة مشبعة بالحماس الثوري، ليبدأ نشاطه السياسي في سن مبكرة خلال أيام دراسته، هو شقيق الشهيدين الجليلين مهدي وجلال بورجمشيديان، اللذين ارتقيا شهدين في الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، التي اندلعت بعد هجوم العراق على إيران، حيث دافع الإيرانيون خلالها بشراسة لحماية أراضيهم ومبادئ ثورتهم، نسيج من النضال والتضحية، في ريعان شبابه وأيام دراسته، أوقد شعلة النشاط السياسي في الحركات الثورية، ليصبح لاحقا، بعد انتصار الثورة عام 1979 جزءا من قلب الحرس الثوري النابض.

بداية الرحلة 

ثم بدأت رحلته العسكرية في الفرقة السابعة والعشرين للنبي (ص) عند السابعة والعشرين من عمره، ثم انتقل عام 1982 إلى فرقة عاشوراء الحادية والثلاثين المنصورة، حيث وقف صلبا مدافعا عن الثورة، كتفا إلى كتف مع الشهيد الرائد مهدي بكاري، وبعد أن هدأت أصوات الحرب، تولى مسؤوليات جساماً، من مشرف مكتب تمثيل القوة البرية للحرس الثوري، إلى المسؤول القانوني لتفتيش القوة البرية، ثم عمل في مؤسسة الحرس الثوري التعاونية.

مع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، برز علي أكبر بورجمشيديان كمقاتل شجاع في الفرقة الحادية والثلاثين لعاشوراء المنتصرة، حيث قاتل إلى جانب الشهيد البطل مهدي بكاري، في مقابلة مع وكالة أنباء فارس عام 2012، نقلها موقع “بلاگفا” استذكر لقاءه الأول بـ بكاري خلال عملية “بيت المقدس”، حيث شكّل هذا اللقاء نقطة تحول في مسيرته العسكرية، بعد أن خسر شقيقيه، مهدي وجلال، شهيدين في الحرب، مما عزز إصراره على خدمة الوطن وبعد الحرب، تولى مناصب قيادية، منها المشرف على ممثلية القوة البرية للحرس الثوري والمشرف القانوني على تفتيشها.

المواطن النموذجي

تولى بور جمشيديان قيادة فيلق عاشوراء في شرق أذربيجان، حيث أسهم في تدريب القوات البرية للحرس الثوري وتولى مسؤولية مقر حمزة سيد الشهداء، وفي عام 2013، حصل على لقب “مواطن تبريز النموذجي” خلال حفل تكريم نظمه فيلق عاشوراء، تقديرا لدوره في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، هذا اللقب عكس ارتباطه العميق بتبريز وثقة أهلها به، وفي حفل منحه الجنسية الفخرية من قِبل أعضاء المجلس الإسلامي في تبريز، أعرب عن سعادته بتلقي هذا التكريم وقال: “آمل أن أكون جديرا بهذا اللقب، وأن أكون ممثلا جيدا لشعب تبريز وأذربيجان”، وأضاف: “بعد انتهاء مهمتي هنا، كنت أفكر في أخذ هدية تذكارية من هذه المدينة معي وتوصلت إلى استنتاج أن لقب المواطن الفخري لهذه المدينة سيكون أفضل تذكار وذكرى لي”.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2016، عُين بورجمشيديان نائبا لمنسق القوات البرية للحرس الثوري بأمر من القائد العام محمد علي جعفري، خلفًا لأبي القاسم فوروتان، بناء على اقتراح من الجنرال محمد باكبور، القائد السابق للقوات البرية للحرس الثوري، لعب دورا بارزا في الصراع السوري، خاصة في معارك حلب، حيث أسهمت قراراته الحاسمة في تعزيز الموقف الإيراني في هذا الصراع الإقليمي، تقارير عديدة أشادت بتأثيره الاستراتيجي في هذه الجبهة، وكان يشغل في السابق منصب نائب رئيس العمليات في القوات البرية للحرس الثوري الإسلامي

رئاسة نادي تراكتور سازي 

في 2013، تولى بورجمشيديان رئاسة مجلس إدارة نادي تراكتور سازي لكرة القدم، ليمتد تأثيره من الميادين العسكرية إلى الساحات الرياضية، لكنه استقال في مطلع أبريل/نيسان 2014 بعد نقله إلى طهران، مشيرا في رسالة استقالته إلى دعمه لخليفته كريميان، معبرا عن اعتذاره عن أي تقصير خلال فترته.

وقال الرئيس السابق لنادي تراكتور سازي علي أكبر بورجمشيديان، الذي يحظى بشعبية خاصة بين مشجعي الفريق: “أنا من مشجعي تراكتور وأول مواطن فخري لمدينة تبريز، وهما شرفان عظيمان بالنسبة لي، وعندما يسألونني من أين أنا، أقول بفخر أنني من تبريز”، وأعرب عن أمله في أن يصل فريق تراكتور يوما ما إلى نهائي دوري أبطال آسيا، وأن يكون حاضرا في الملعب ليشهد مشاركة الفريق في بطولة آسيا عن كثب.

في يناير/كانون الثاني 2023، خلال مراسم إحياء ذكرى استشهاد الجنرال قاسم سليماني الثالثة في تبريز، استذكر بورجمشيديان أحداث 2009، واصفًا إياها بـ”الغريبة”، تحدث عن محاولات زعزعة استقرار تبريز، مشيرًا إلى تهديده باعتقال مير حسين موسوي إذا وصل إلى المدينة، في خطاب قوي، أكد أن أهالي تبريز لن يسمحوا بـ”تلويث” مدينتهم، مشددًا على أن “حب الحاكمية متأصل في تبريز، وأهلها حسينيون”.

موقفه من قضية الحجاب

في الخطاب ذاته، تناول بورجمشيديان أحداث خريف 2022، رافضا دعوات خلع الحجاب، وأكد أن الحجاب يمثل كرامة المرأة في الإسلام، مستنكرا الروايات الغربية التي تصور المرأة كـ”سلعة”، وأشار إلى تفوق إيران في تعليم النساء، حيث يفوق عدد الطالبات الطلاب، مشيدًا بمقاومة نساء تبريز لمحاولات رضا خان لخلع الحجاب في الماضي، وفي منتصف سبتمبر/أيلول 2025 تحدث بورجمشيديان في المؤتمر الوطني الأول حول الأمن والتنمية المستدامة للمناطق الصحراوية في البلاد، عن دور وزارة الداخلية في تطوير الأمن الداخلي، وقال: “إن وزارة الداخلية مسؤولة بشكل مباشر عن الأمن الداخلي للبلاد، وكرامتها الأعظم هي كرامة الأمن”.

نائبا لوزير الداخلية 

في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلن وزير الداخلية إسكندر مؤمني تعيين بور جمشيديان نائبا لوزير الأمن وإنفاذ القانون ليركز أكثر على دراسة الاتجاهات الأمنية الداخلية واتخاذ تدابير منسقة لمواجهة التحديات، وفقا للمادة 176 من الدستور، خلف بورجمشيديان مجيد مير أحمدي في هذا المنصب، مؤكدا التزام الحكومة الرابعة عشرة بتعزيز الأمن.

وفي مطلع مايو/أيار 2025 تولى علي أكبر بورجمشيديان رئاسة مقر الأربعين المركزي، قبل اجتماع اللجنة الرسمي في 5 مايو/أيار من ذلك العام، حيث أعلن عن شعار الزيارة “إنا على العهد”، ويختص  بالإشراف على تنسيق الترتيبات الأمنية واللوجستية لزيارة الأربعين الحسيني المركزي، بما في ذلك تأمين المنافذ الحدودية، توفير الخدمات الطبية (مثل إنشاء 7 مستشفيات متنقلة)، تسهيل سفر ملايين الزوار الإيرانيين إلى العراق، ومراقبة العودة الآمنة، مع التركيز على تقليل الحوادث وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي، في 2025، أشرف على عودة أكثر من 3.5 مليون زائر دون حوادث أمنية كبير.

خلال حرب الـ12 يوما مع الكيان الإسرائيلي كشف علي أكبر بورجمشيديان، نائب وزير الداخلية وأمين مجلس الأمن القومي، عن مفاجآت تكتيكية واجهتها البلاد رغم وضوح الاستراتيجية العامة، أوضح أن الاستعداد الأمني كان موجودًا، لكن اليوم الأول شهد صدمة بسبب غياب الجاهزية التامة، مما أدى إلى استشهاد قادة رئيسيين في الاستخبارات والعمليات. 

أصدر مجلس الأمن القومي أكثر من 70 قرارا خلال الحرب، ركزت على إدارة الأوضاع الداخلية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية مثل الوقود والخبز، وتلبية احتياجات النازحين، خاصة بعد نزوح ستة ملايين شخص من طهران، تم اتخاذ إجراءات عاجلة لتوزيع السلع الأساسية وتسريع تخليصها من الجمارك لتجنب النقص، كما أُعيد تفعيل عمليات التوقيف والتفتيش وتسليح قوات الباسيج، مما ساهم في السيطرة على الوضع الداخلي وبث الأمان بين المواطنين، الذين تفاعلوا إيجابيا مع نقاط التفتيش. 

أشار بورجمشيديان إلى أن إحصائيات العدو حول الطائرات المسيرة والقوات كانت مبالغ فيها، وغالبًا جزء من عمليات نفسية، مؤكدًا أن الإحصائيات العسكرية الرسمية هي المعتمدة، نجحت الأجهزة الاستخباراتية في رصد تهديدات العدو، مما عزز الاستجابة الأمنية، شدد على ضرورة تعزيز حماية العلماء وإعادة تقييم التخطيط العملياتي لتقليل المفاجآت المستقبلية، مع التركيز على التنسيق الاستخباراتي والعملياتي لضمان استقرار البلاد.
علي أكبر بورجمشيديان هو تجسيد للروح الثورية والتضحية، من ميادين الحرب العراقية-الإيرانية إلى قيادة فيلق عاشوراء، ومن مواجهة الفتن السياسية إلى الدفاع عن القيم الإسلامية، ليمثل نموذجا للقائد الذي يجمع بين الحزم والإخلاص، تعيينه في مناصب حيوية في إيران يعكس ثقة الحكومة بقدراته على حماية استقرار إيران، مستندًا إلى إرث طويل من العطاء والنضال منذ نعومة أظافره.