- زاد إيران - المحرر
- 524 Views
نشرت صحيفة شرق الإصلاحية، الجمعة 29 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكرت فيه أن التحولات الأخيرة المتعلقة بالاتفاق النووي أعادت هذا التوافق الدولي مجددا إلى صدارة أجندة الدبلوماسية بين إيران وأوروبا.
وأضافت أنه في حين اتخذت الدول الأوروبية الثلاث فرنسا وألمانيا وبريطانيا من خلال تفعيل ما يُعرف بآلية الزناد أو العودة التلقائية للعقوبات مسارا تصعيديا، يسعى كبار مسؤولي الدبلوماسية الإيرانية عبر المراسلات الرسمية والحوارات الإعلامية إلى إحباط هذه المساعي وإبراز روايتهم القانونية ـ السياسية.
وتابعت أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وجّه رسائل إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، وإلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، محاولا من خلالها رفض ادعاءات الترويكا وتأكيد أن إيران هي الطرف الأول والأكثر شرعية الذي فعّل آلية تسوية الخلافات.
وأردفت أن السياسي البارز محمد جواد ظريف، وصف في مقابلة مع مجلة فورين بوليسي، مواقف أوروبا بأنها لا أساس لها وتفتقر إلى المشروعية انطلاقا من خبرته التفاوضية والقانونية.
وأوضحت أن هذه التحركات تُظهر في مجملها أن إيران، بدلا من القبول السلبي لرواية الغرب، تعمل على إعادة صياغة المشهدين القانوني والسياسي للاتفاق النووي.
وأفادت بأن الرسالة المشتركة للمسؤولين الإيرانيين ترتكز على مبدئين أساسيين، أولا، أن الخطوات التعويضية التي اتخذتها إيران ليست خرقا للاتفاق، بل محاولة للحفاظ عليه في مواجهة تنصل الآخرين من التزاماتهم؛ ثانيا، أن أوروبا والولايات المتحدة، من خلال تسييس الملف النووي وربطه بمصالح إسرائيل، فقدتا كثيرا من مصداقيتهما أمام الرأي العام العالمي.
وأبرزت أنه في هذه المرحلة، تكمن الأهمية في تقاطع مسارين: من جهة، مسعى إيران لإضفاء الشرعية على خطواتها ضمن إطار القانون الدولي، ومن جهة أخرى، مسعى الترويكا لاستغلال الآليات القانونية كوسيلة للضغط السياسي، ونتيجة هذا التفاعل ستحدد ليس فقط مستقبل الاتفاق النووي، بل أيضا مسار التعددية ومكانة المؤسسات الدولية.
رسالة عراقجي إلى كايا كالاس
أوردت الصحيفة أن الرسالة التفصيلية التي بعث بها عراقجي إلى كالاس، شكّلت أبرز ردّ قانوني-سياسي إيراني على خطوة الترويكا باستغلال آلية تسوية الخلافات في الاتفاق النووي، فقد شدّد عراقجي في رسالته على رفض الرواية الانتقائية الأوروبية.
وأكَّد أن إيران كانت الطرف الأول الذي فعّل آلية تسوية الخلافات بعد انسحاب الولايات المتحدة في مايو/أيار 2018، واستفادت بالكامل من المسارات التي نصّ عليها الاتفاق، وأوضح أن تجاهل هذه السوابق يجعل الاستدلال القانوني للترويكا باطلا.
وبيَّنت الصحيفة أنه في رسالة عراقجي برزت عدة محاور أساسية، أولا، التشديد على انعدام الأهلية القانونية للترويكا في تفعيل آلية الزناد؛ ثانيا، التذكير بدعم روسيا والصين لمواقف إيران ورفضهما الصريح لخطوة أوروبا؛ ثالثا، التوضيح بأن التزامات أوروبا في إطار الاتفاق لم تُنفذ، بل جرى خرقها عبر توسيع العقوبات على قطاعات مدنية في إيران، وهو ما وصفه عراقجي بأنه دليل على تجاهل مزمن من قبل أوروبا لالتزاماتها.
وأكَّدت أن عراقجي أشار إلى فشل آلية إنستكس وإخفاق مفاوضات فيينا، متهما الاتحاد الأوروبي بالانحياز إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ومحذرا من أن استمرار هذا النهج سيقوّض دور أوروبا كمنسق محايد، وخصّص جزءا مهما من الرسالة لانتقاد أي محاولة لإحياء قرارات مجلس الأمن الملغاة، معتبرا إياها عديمة الشرعية.
وأظهرت أن هذه الرسالة، إلى جانب ما قدمته من مستندات قانونية، حملت أيضا رسالة سياسية واضحة، مفادها أن إيران لا تزال منفتحة على الحوار والعودة إلى الدبلوماسية، شرط توفّر الجدية وحسن النية من الأطراف الأخرى والابتعاد عن الخطوات المعرقلة، وبذلك، سعى عراقجي إلى تثبيت مواقف إيران في الإطار القانوني، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا.
رسالة عراقجي إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة
أبلغت الصحيفة أنه في رسالة أخرى، وجّه عراقجي خطابه بشكل مباشر إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، محذرا بنبرة أكثر صراحة من تحريف الحقائق من قبل الترويكا، وهذه الرسالة لم تكن موجهة بالأساس إلى أوروبا بقدر ما كانت تسعى إلى إقناع المجتمع الدولي وتسجيل الرواية الإيرانية رسميا كوثيقة في محافل الأمم المتحدة.
ونوَّهت إلى أن عراقجي أوضح في نص الرسالة، بالاستناد إلى المراسلات وجلسات اللجنة المشتركة منذ عام 2018، أن إيران كانت أول من فعّل آلية تسوية الخلافات، واعتبر حجّة أوروبا القائلة بضرورة اعتراف باقي الأطراف بهذا التفعيل “واهية”، مذكّرا بأنّه حتى وفق منطق الترويكا نفسها فإن مسعاها لتفعيل آلية الزناد يفتقر إلى الشرعية، وصرَّح بأن رسالة الترويكا تؤدي إلى نزع الشرعية عن نفسها.
وشدد على أهمية المادة 26 من الاتفاق النووي التي تتيح لإيران وقف تنفيذ التزاماتها في حال إعادة فرض العقوبات. ورأى أن هذا البند هو الأساس القانوني للإجراءات التعويضية التي اتخذتها إيران، مذكّرا بأنها كلها قابلة للتراجع وهدفها الأساس كان الحفاظ على الاتفاق.
وحذّر من محاولة الترويكا تمديد بنود القرار 2231، مؤكدا أن هذا القرار يجب أن ينتهي في موعده المحدد، واعتبر هذا المسعى خطوة خطيرة قد تزيد من الانقسامات داخل مجلس الأمن.
ولفتت الصحيفة إلى أن الرسالة المحورية الموجهة إلى مجلس الأمن كانت واضحة، حيث أن خطوات أوروبا لا تفتقر فقط إلى المشروعية القانونية، بل تشكّل تهديدا لوحدة القانون الدولي ومصداقية مجلس الأمن، وفي المقابل، قدّمت إيران نفسها كطرف مسؤول وملتزم بالدبلوماسية، يسعى إلى حماية التعددية.
مقابلة ظريف مع فورين بوليسي
أوضحت الصحيفة أن مقابلة ظريف مع “فورين بوليسي” أكملت البعدين الإعلامي والتحليلي للرواية الإيرانية، فبصفته وزير الخارجية الأسبق، استحضر خبرته التفاوضية وسلّط الضوء على التناقضات في سلوك أوروبا والولايات المتحدة، ورفض ظريف ادعاء أوروبا بشأن تفعيل آلية الزناد، مؤكدا أن إيران التزمت بتعهداتها النووية حتى بعد مرور عام كامل على انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما لم تنفذ أوروبا أيّا من وعودها الإحدى عشرة.
وأضافت أن ظريف اتهم أوروبا بأنها تلجأ إلى آلية تسوية الخلافات في الوقت الذي تتجاهل فيه- أو حتى تشيد- بانتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، واعتبر هذا النهج دليلا على غياب حسن النية وازدواجية الغرب، كما أشار إلى الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما، مؤكدا أن هجمات إسرائيل لم تستهدف الأهداف العسكرية فحسب، بل المدنيين والعلماء الإيرانيين أيضا، وهو ما يشكل وفق القانون الدولي جريمة حرب.
وأفادت بأنه خصّص جزءا مهما من حديثه للقدرات الدفاعية الإيرانية، مبرزا أنه رغم العقوبات الطويلة الأمد تمكنت إيران من كسر القبة الحديدية الإسرائيلية وإثبات أنها ليست فريسة سهلة، وقال إن هذه الحقيقة وجهت رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بأن تحالفهما العسكري لم يستطع إخضاع إيران.
وأوردت أن ظريف عاد إلى البعد السياسي للاتفاق النووي، مؤكدا أن اعتراض إسرائيل على الاتفاق ينبع من خشيتها من السلام والاستقرار في المنطقة، وشدد على أن سياسات ترامب والعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية قوّضت الثقة في الدبلوماسية، وجعلت إقناع الشعب الإيراني بمواصلة الحوار مع الغرب أمرا بالغ الصعوبة، وهكذا، جاءت مقابلة ظريف محاولة لإبراز البعد الإنساني والأمني للأزمة، مكمّلة لرواية عراقجي.
الرد القانوني – السياسي على رواية الغرب
أبرزت الصحيفة أن التحركات الأخيرة لكل من عراقجي وظريف تُظهر أن إيران، في مواجهة رواية الغرب، انتهجت استراتيجية الرد القانوني-السياسي، فبينما يركّز عراقجي من خلال المراسلات الرسمية على الإطار القانوني والوثائق التاريخية، يتولى ظريف عبر المقابلات الإعلامية إبراز البعد المتعلق بالرأي العام والسياسة.
وأكَّدت أن كليهما يشددان على مبدأ مشترك وهو أن خطوات إيران جاءت في إطار أحكام الاتفاق النووي، وأن أوروبا والولايات المتحدة تفتقران إلى الشرعية الأخلاقية والقانونية لممارسة الضغوط.
وفي الختام بيَّنت الصحيفة أن التصعيد الحالي يكشف أن الاتفاق النووي يواجه اليوم أكبر تهديداته، فمستقبله مرهون بعاملين أساسيين وهما: مدى التزام مجلس الأمن بقواعد القانون الدولي، وقدرة الدبلوماسية على إعادة مسار الحوار إلى توازن، وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى تقديم نفسها كطرف مسؤول يتمسك بالدبلوماسية رغم الضغوط.

