- زاد إيران - المحرر
- 399 Views
كتبت: كريمة هاني
في تطور دبلوماسي وأمني مثير، اتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بالتخطيط لاغتيال سفيرة إسرائيل لدى المكسيك، “إينات كرانز-نيكر”. وقد نفت طهران هذه الاتهامات بشدة، بينما أكدت الحكومة المكسيكية عدم تلقّيها أي معلومات استخباراتية عن أي تهديد من هذا القبيل. يسلط هذا الضوء على تصاعد التوترات بين طهران وتل أبيب وامتداد صراعهما إلى الساحة الدولية.
وقائع الاتهام الأمريكي – الإسرائيلي
صدرت الاتهامات عن مسؤول أمريكي لم يُكشف عن هويته، نقلا عن وكالة رويترز، حيث ادعى أن “قوة القدس” التابعة للحرس الثوري الإيراني بدأت في التخطيط لمؤامرة اغتيال السفيرة الإسرائيلية في أواخر عام 2024، وتم إحباطها في العام الحالي. وأضاف المصدر أن هذه المؤامرة تمثل “أحدث حالة في تاريخ طويل من استهداف الدبلوماسيين والصحفيين والمعارضين وأي شخص يعارض حكومة إيران على الصعيد العالمي”. كما أشادت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان منفصل بـ “الأجهزة الأمنية في المكسيك على إحباط شبكة إرهابية كانت تهدف إلى الهجوم على سفير إسرائيل في المكسيك”، مدعية أن هذه الشبكة تابعة لإيران..

الرد الإيراني: نفي قاطع واتهام بالاختلاق
جاء الرد الإيراني سريعا وحاسما، ففي بيان شديد اللهجة، نفت السفارة الإيرانية في المكسيك هذه الاتهامات، واصفة إياها بـ”الفبركة الإعلامية” و”الكذبة الكبيرة “. وجاء في البيان: “إن اتهام إيران بمحاولة اغتيال السفيرة الإسرائيلية في المكسيك هو اختلاق إعلامي وكذبة فاضحة تهدف إلى تقويض العلاقات الودية والتاريخية بين البلدين العظيمين، المكسيك وإيران، ونحن نرفضه رفضا قاطعا“.
وأكد البيان أن إيران والمكسيك تربطهما مصالح مشتركة، وأن “أمن وسمعة المكسيك من أمن وسمعة إيران”، مشددا على أن طهران “لن تخون الثقة التي أولتها إياها الحكومة المكسيكية”، وأن “احترام القوانين المكسيكية أولوية قصوى”.
كما تناول البيان الاتهامات المتعلقة بمعاداة السامية، واصفا إياها بأنها “كذبة كبيرة” أطلقتها “قيادات عنصرية في إسرائيل”. وأشارت السفارة إلى وجود أكثر من 100 كنيس في إيران مفتوح للجمهور دون الحاجة إلى حراسة، مؤكدة أنه خلال العدوان الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران الماضي لم تُسجّل أي حالة مضايقة ضد الجالية اليهودية في البلاد.
وأخيرا، وفي مؤتمرٍ صحفي عقد الاثنين 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الاتهامات الموجهة إلى طهران بأنها “لا أساس لها ومضحكة حقا ”.

موقف المكسيك: نفي رسمي لتلقي أي معلومات
من جانبها، نفت الحكومة المكسيكية، عبر وزارتي الخارجية والداخلية، ورود أي معلومات عن هجوم مزعوم على السفيرة الإسرائيلية. وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية المكسيكية أنها “لم تتلق أي تقارير عن هجوم مزعوم من جانب إيران على السفيرة ” إينات كرانز-نيكر”. وأكدت الوزارة التزامها بالحفاظ على “التواصل الحر مع جميع البعثات الدبلوماسية في البلاد” واستعدادها للتعاون “باحترام وبالتنسيق مع أجهزة الأمن في الدول الأخرى عند الطلب”.
وأكدت وزارة الأمن الداخلي وحماية المواطن المكسيكية استعدادها للتعاون “المبني على الاحترام والتنسيق مع جميع الأجهزة الأمنية التي تطلب التعاون، في إطار احترام السيادة الوطنية”. ويعكس هذا الموقف المكسيكي الرسمي التزام الحكومة بالحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، ورفضها الانسياق وراء اتهامات باطلة.

نمط متكرر من الاتهامات ضد إيران
تشكل الاتهامات الأخيرة بمحاولة اغتيال السفيرة الإسرائيلية في المكسيك حلقة جديدة في سلسلة اتهامات واجهتها إيران على مدار العقود الماضية. فنفي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لم يقتصر على المزاعم الحالية، بل وضعها في سياق تاريخي يشمل حوادث مشابهة، مثل الادعاءات السابقة في أستراليا حول تهديد أهداف يهودية دون تقديم أدلة.
ولا يمكن إغفال الحادثة الشهيرة بانفجار مركز الجالية اليهودية في الأرجنتين عام 1994، الذي أودى بحياة 85 شخصا، حيث نفت إيران أي تورط رغم صدور أوامر قضائية باعتقال مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، من بينهم الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني وقائد الحرس الثوري محسن رضائي ووزير المخابرات علي فلاحيان.
يبرز هذا النمط المتكرر التباين الكبير بين الروايات، مما يضع المجتمع الدولي أمام صعوبة في تقييم صحة هذه الاتهامات.

وفي الختام، تمثل هذه الأزمة نموذجا للاتهامات الأمنية المتضاربة في العلاقات الدولية، حيث تتصادم الروايات وتتباين المواقف بين الأطراف المختلفة. تضع هذه الواقعة المجتمع الدولي أمام تباين حاد في الروايات، ففي حين تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على تورط قوة القدس الإيرانية في مؤامرة تم إحباطها، تقف إيران والمكسيك على النقيض تماما، وتنفيان وجود أي تهديد أو دليل ملموس على التورط.
ومع تأكيد إيران على أن هذا التهديد هو مجرد “كذب إعلامي” يهدف لتدمير علاقاتها الودية، فإنها تؤكد في الوقت ذاته احترامها لحدود وسيادة المكسيك وحرصها على المصالح المشتركة. يبقى أن هذه الحادثة تسلط الضوء على استمرار التوتر في العلاقات بين إيران والغرب، وتأثيره على علاقات إيران مع دول أخرى، كما تثير تساؤلات حول مدى مصداقية المعلومات الأمنية التي تطرحها الأطراف المختلفة في سياقات الصراع الجيوسياسي، وما إذا كان هذا التصعيد يمثل توسعا جديدا لما يُعرف بـ “حرب الظل” بين طهران وتل أبيب أم مجرد محاولة لتشويه سمعة إيران دوليا.

