رئيس علي دلواري.. القائد الإيراني الرائد في مواجهة الاستعمار البريطاني

كتب: برهان محمودي

على شاطئ الخليج العربي في مدينة بوشهر الساحلية، يقف تمثال برونزي لرجل صامد مواجها البحر، كأنه ما زال حارسا للمياه، يصوّر التمثال «رئيس علي دلواري»، القائد الشاب القبلي، الذي نجح في عام 1915 بحملة جريئة من حرب العصابات في طرد القوات البريطانية الغازية من هذا الميناء الجنوبي.

في الثالث من سبتمبر/أيلول من كل عام، يحيي الإيرانيون تضحيات دلواري تحت مسمى «اليوم الوطني لمقاومة الاستعمار البريطاني»، ويقدّمونه كبطل استقلال قاد الجهود الإيرانية لمواجهة قوة الإمبراطورية البريطانية.

يشكّل هذا اليوم نافذة على فصل حاسم من تاريخ إيران، حينما حمل رجال ونساء مثل رئيس علي دلواري و«بي بي مريم بختياري» و«ميرزا كوجك خان» السلاح دفاعا عن سيادة وطنهم. وتظل قصصهم، في خضم التغيرات الإنسانية والسياسية في أوائل القرن العشرين، محفورة في الذاكرة الجماعية للإيرانيين كرمز للمقاومة والصمود أمام الاستعمار.

بذور المقاومة ضد الهيمنة الأجنبية؛ حركة التبغ والثورة الدستورية

عقود قبل الحرب العالمية الأولى، كانت مقاومة النفوذ الأجنبي في إيران قد بدأت بالفعل، ففي عام 1891، أدى منح امتياز التبغ لشركة بريطانية إلى اندلاع “حركة التبغ”، وهي أول انتفاضة شعبية شاملة في إيران.

امتد الغضب من قرار الشاه بتسليم كامل تجارة التبغ الإيرانية لمستثمر إنجليزي إلى الأسواق والمساجد، شعر التجار بخطر على معيشتهم، وانزعج علماء الشيعة من سيطرة الأجانب على محصول أساسي.

وبفضل فتوى قوية من آية الله محمد حسن حسيني الشيرازي المعروف بـ «ميرزاي شيرازي» بتحريم التبغ، امتنع الإيرانيون من مختلف الطبقات عن استخدامه، وحتى حريم الشاه امتنع عن التدخين.

أمام هذا التكتل الشعبي غير المسبوق، ألغى ناصر الدين شاه الامتياز، ورغم اضطرار إيران القاجارية لدفع تعويض كبير للشركة البريطانية، اعتُبر هذا الحدث نصرا نادرا للإرادة العامة على الاستغلال الاقتصادي البريطاني.

ويعتبر العديد من المؤرخين أن حركة التبغ كانت الشرارة الأولى للوعي القومي الإيراني الحديث، ومقدمة لتجارب لاحقة في مواجهة الاحتلال والتدخل الأجنبي. وظهر هذا التحالف مجددا بعد نحو عقد من الزمن خلال الثورة الدستورية (1905–1911).

كانت هذه الحركة الشاملة تهدف إلى تقييد السلطة المطلقة للشاه وإقامة حكم القانون عبر مجلس منتخب، ورغم أن جوهرها كان يسعى إلى إصلاحات داخلية، إلا أن الغضب من سيطرة القوى الأجنبية على اقتصاد وسياسة إيران كان يضفي عليها قوة إضافية.

مع مطلع القرن العشرين، كانت بريطانيا وروسيا القيصرية قد رسختا نفوذا عميقا في إيران، فقد ثبتت روسيا نفوذها في شمال البلاد، وكان لواء القوزاق الذي يديره ضباط روسيّون يشكّل الذراع العسكري لحكم القاجار، وقد منحت روسيا القروض الكبيرة للديوان الملكي، ولعبت دورا مباشرا في السياسة، وكان تأثيرها السياسي قويا خصوصا في طهران وأذربيجان.

أما بريطانيا، فكان حضورها أكثر تركيزا في جنوب إيران، حيث أعطت الامتيازات الاقتصادية مثل امتياز دارسي لعام 1901، الذي منح مستثمرا بريطانيا حقا حصريا في البحث واستغلال النفط والغاز لمدة 60 عاما، قوة إضافية لنفوذها. وكانت التجارة، والبنوك، وخطوط التلغراف، وكذلك الرقابة على الجمارك الجنوبية، جميعها تحت إشراف أو نفوذ بريطانيا.

وقد منح هذا النفوذ طابعا رسميا مع اتفاقية 1907 بين بريطانيا وروسيا، والتي قسمت إيران فعليا إلى ثلاث مناطق: الشمال تحت النفوذ الروسي، الجنوب تحت النفوذ البريطاني، ومنطقة محايدة في الوسط.

وكانت كلتا الإمبراطوريتين تتنافس على السيطرة على إيران، ورغم أنه لم يتم استعمارها بالكامل، فقد سعت كلتاهما إلى إبقاء البلاد ضعيفة وخاضعة،
وكان قادة الثورة الدستورية يرون أن الحكم الدستوري أفضل من الملكية الفاسدة في الصمود أمام هذه الضغوط. عمليا، تحالفت بريطانيا وروسيا لتقويض التجربة الشعبية الإيرانية وعرقلة مسار الديمقراطية الناشئة.

كانت تعاملات القوى الكبرى تعترف رسميا باستقلال إيران على الورق، لكنها عمليا تركت لكل منهما حرية السيطرة على مناطق نفوذها، وكانت النتيجة الميدانية لهذا الاتفاق فورية: فقد أرسلت روسيا قوات لقمع المطالبين بالدستور في تبريز وطهران.

وبحلول عام 1911، تم حل أول مجلس إيراني وإغلاقه بمدفعية قوزاق روسيا. ومع ذلك، لم تمت حلم إيران المستقلة والقائمة على القانون؛ بل ظل حيا في نفوس العديد، من رئيس علي دلواري في الجنوب، إلى بي بي مريم بختياري في جبال زاغروس الوسطى، وميرزا كوجك خان في غابات جيلان.

لقد برزت هذه الشخصيات، في وقت كان العالم يغرق في حرب شاملة، لتتصدى للهيمنة الأجنبية في محافظاتها، مدافعة عن سيادة وطنها وكرامته.

مقاومة القبائل الجنوبية في خضم الحرب العالمية الأولى

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، أعلنت إيران حيادها، لكن ذلك لم يجدي نفعا، فقد جذب الموقع الاستراتيجي وموارد إيران كلا المعسكرين المتحاربين إلى أراضيها، فتدفقت جيوش روسيا القيصرية من الشمال، ونزلت قوات بريطانيا في الجنوب بحجة التصدي لألمانيا والإمبراطورية العثمانية.

وكانت أولوية بريطانيا حماية حقول النفط المكتشفة حديثا في جنوب غرب إيران، التابعة لشركة النفط الإيرانية-البريطانية، والتي كانت تزود البحرية الملكية البريطانية بالوقود.

بحلول أغسطس/آب 1915، رست الفرقاطات البريطانية قبالة بوشهر، الميناء الرئيسي لإيران على ساحل الخليج العربي، وتقدمت قوة برية أغلبها من الجنود الهنود من مستعمرات بريطانيا لاحتلال المدينة. ورفع علم التاج البريطاني على المباني الحكومية، وأعلنت بريطانيا فرض الحكم العسكري بحجة أن الحكومة الإيرانية عاجزة عن حفظ النظام والأمن في الجنوب.

وكان ذلك بعد أسابيع قليلة من هجوم مقاتلي القبائل بقيادة رئيس علي دلواري على الممثلية البريطانية في بوشهر، الذي أسفر عن مقتل عدد من الضباط والجنود الهنود. لم تتراجع بريطانيا، بل أرسلت على الفور قوات مساعدة من الهند والعراق، واستولت على بوشهر في 8 أغسطس/آب 1915.

أشعل احتلال بوشهر فتيل الغضب والتمرد في محافظات جنوب إيران، فقد أصبح رئيس علي دلواري، البالغ من العمر 33 عاما والقائد الكاريزمي لقبيلة من قرية “دلوار”، بطلا غير متوقع للانتفاضة الجنوبية، وهي انتفاضة ألحقت المتاعب بالبريطانيين لأكثر من عام كامل.

كان دلواري معروفا منذ فترة كـ مؤيد للدستور؛ ففي عام 1909، خلال تمرد ضد شاه القاجار، أطاح هو ورفاقه بحاكم بوشهر واستمروا في السيطرة على المدينة لمدة تسعة أشهر، والآن، مع وجود الجنود الأجانب على أرض إيران، حشد دلواري عدة مئات من مقاتلي تنكستان لخوض حرب عصابات ضد الغزاة البريطانيين.

وكان وجود هذا القائد البارز، الذي عبّر عن أفكار وطموحات الحرية لدى الإيرانيين آنذاك، مصدر تشجيع وحركة وإلهام للمجاهدين الجنوبيين، حتى خصومه ومنافسيه لم يستطيعوا إنكار شعبيته. كان رئيس علي يرى أن الطريقة الوحيدة لتغيير الوضع القائم هي المقاومة ضد العدو وخلق أجواء صعبة عليه، فكان يشن هجمات ليلية على مواقع الجنود البريطانيين في ضواحي بوشهر.

حاول الممثلون البريطانيون شراء ولاءه بمبلغ 40 ألف جنيه إسترليني، وعندما فشلت الرشوة، هددت السلطات البريطانية بتدمير قرية دلوار.

رد دلواري برسائل وتلغرافات حماسية طلب فيها مساعدة كبار علماء الشيعة. فأصدر كبار العلماء في شيراز وبوشهر وكربلاء والنجف فتاوى بوجوب الجهاد ضد الغزاة. وبفضل هذا الدعم الديني، بدأ أتباع رئيس علي، من رماة القبائل وسكان القرى، حملة كمائن وهجمات ليلية، ليصبحوا كابوسا للقوات البريطانية حول بوشهر.

كان دلواري مضطرا إلى خوض حرب عصابات، فقد كان رجاله يعرفون تعرجات الأودية وحقول النخيل، يهاجمون في الظلام ثم يعودون إلى الجبال، وفي إحدى الغارات الجريئة منتصف الليل في يوليو 1915، فاجأوا مجموعة من البريطانيين قرب منطقة تنكك، وقتلوا ضابطين بريطانيين رفيعي المستوى و11 جنديا هنديا، دون أن يتكبدوا أي خسائر.

كانت انتصارا تكتيكيا صغيرا، لكنه كسر هالة الانتصار التي يعتقد البريطانيون أنهم لا يُهزمون بها، وأشعل الشجاعة في نفوس الناس، ونتيجة للإذلال الذي سببته القبائل للإمبراطورية، حولت القيادة البريطانية ألفي جندي متجهين إلى جبهة “ميان رودان” إلى بوشهر لقمع انتفاضة دلواري، وبحلول أواخر صيف 1915، كانت المنطقة تحت سيطرة نحو 5000 جندي بريطاني ومستعمرات، مدعومين بالفرقاطات والمدفعية.

بدل المواجهة المباشرة، نفذ دلواري تراجعا محسوبا من قاعدته، ومع توقع هجوم انتقامي على قرية دلوار، نقل المدنيين إلى جبال كلات بوجير، وعندما دخلت القوات البريطانية والهندية القرية، وجدتها شبه خالية، فحرقوا المنازل وقطعوا النخيل.

في تلك الليلة، شن رئيس علي ضربة مضادة، حيث نزل مع نحو 400 مقاتل من الجبال في هجوم مفاجئ على القوات المحتلة، وأسفرت معركة دلوار عن هزيمة ساحقة للمهاجمين، وقتل 60 جنديا بريطانيا، بينهم جنرال رفيع المستوى، بحلول صباح اليوم التالي.

أحدث انتصار دلواري موجة حماس في المحافظة، فهرع المقاتلون المحليون من تنكستان ودشتي وما وراءها للانضمام إليه، متشجعين من قدرة المقاومة على إلحاق الهزيمة حتى بالجيش الحديث.

وخلال الأسابيع التالية، واصل رئيس علي إرباك العدو عبر حرب العصابات. فقد أزعج رماة دلوار المواقع الرئيسية البريطانية في بوشهر ليلا، وقطعت مجموعات القبائل خطوط التلغراف والإمدادات، ولمّا فشل قادة بريطانيا في جرّه إلى معركة حاسمة، لجأوا إلى التعاون مع بعض الخونة لمواجهته.

في ليلة الثالث من سبتمبر 1915، وأثناء استعداد دلواري ورفاقه للهجوم على موقع بريطاني قرب سبز آباد، أطلق خائن بين المقربين النار على رئيس علي من الخلف، فأصابه وأودى بحياته لاحقا.

كان هذا القائد الشعبي لا يتجاوز عمره 33 عاما عند شهادته، قام رفاقه المصدومون والغاضبون بنقل جثمانه من ساحة المعركة، وبناء على وصيته، دُفن لاحقا في النجف بالعراق، بجوار حرم الإمام علي.

ومع ذلك، لم تنتهِ مقاومة الجنوب بمقتله. فقد أصبحت انتفاضته، المعروفة اليوم باسم انتفاضة تنكستان أو “حرب دلوار”، رمزا للمشاعر المناهضة للاستعمار، واستمر القادة المحليون مثل غضنفر خان برازجاني وخضر خان دشتستاني حتى عام 1916 في شن الهجمات باستخدام حرب العصابات ضد المواقع البريطانية.

وفي الوقت نفسه، في محافظة فارس، ثارت القبائل القشقائية القوية بقيادة سردار “صولت الدولة” ضد النفوذ البريطاني، وحاصروا في 1918 مدينة شيراز التي كانت تحت الاحتلال البريطاني، وخاضوا معارك شرسة ضد القوات شبه العسكرية المحلية التي نظّمها الجنرال البريطاني بيرسي سايكس.

ردا على هذه الهجمات، تم قصف وحرق القرى المشتبه بتأييدها للثوار، ومصادرة أو تدمير المحاصيل والماشية، ونتيجة لذلك، واجهت إيران في عام 1917 مجاعة مدمرة، ناجمة عن مزيج من العوامل: الجفاف المتكرر، واحتلال البلاد من قبل القوات الأجنبية، ومصادرة الغذاء من قبل الجيوش الغازية، والاحتكار والمضاربة، وأمراض وبائية مثل الإنفلونزا، إلى جانب أوبئة أخرى مثل الكوليرا والطاعون.

القائدة بي بي مريم بختياري

على بعد مئات الكيلومترات، في مرتفعات جنوب غرب زاغروس، كانت قيادة معركة أخرى ضد البريطانيين بيد امرأة من أحد أقوى الفروع القبلية في إيران. كانت بي بي مريم بختياري، المعروفة بـ «سردار مريم»، ابنة حسين قلي خان الإيلخاني، زعيم قبيلة بختياري، وأخت اثنين من أبرز وجوه الثورة الدستورية.

ولدت بي بي مريم نحو عام 1874، وكانت من أصول نبيلة في عصر القاجار، لكنها، خلافا للأعراف الجنسانية في زمنها، تحولت إلى قائدة ميدانية وداعمة لاستقلال إيران. خلال الثورة الدستورية، دعمت علنا هجمات إخوتها للإطاحة بمحمد علي شاه القاجار، وفي يونيو 1909، بالتزامن مع تحرك قوات البختياري لتحرير طهران، دخلت بي بي مريم سرا مع مجموعة من الفرسان المدينة قبلهم.

عندما اندلعت الاشتباكات في قصر الشاه، تسلمت بي بي مريم السلاح على سطح مبنى قرب البرلمان وأطلقت النار بنفسها على قوزاق القصر الملكي. جلبت لها هذه الشجاعة شهرة واسعة ومنحها لقب «سردار» التكريمي.

حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى في إيران، وُصفت بي بي مريم بأنها من القادة القلائل في قبيلة بختياري الذين قاوموا بريطانيا بشدة، بينما انحاز كثير من أقربائها لأسباب مصلحية. كانت قبيلة البختياري تسيطر على الأراضي النفطية في خوزستان وغرب إيران، ما جعلهم هدفا رئيسيا للدبلوماسية البريطانية ومحاولات الرشوة.

رغم قبول بعض شيوخ البختياري دعم بريطانيا للحفاظ على استقلالهم الجزئي، اختارت بي بي مريم الطريق المعاكس، مستغلة ثروتها ونفوذها الشخصي، لتجنيد قوات تطوعية من البختياري، بما فيها فرقة من الفرسان القبلية للضغط على القوات البريطانية والروسية في جبهة غرب إيران.

لم يقتصر نضال بي بي مريم على الجانب العسكري؛ فقد أصبحت رمزا لمشاركة المرأة في حركة التحرر الإيراني، وكانت من أوائل المدافعات الصريحات عن حقوق النساء في عصرها، متقنة للغة الفارسية ومطلعة على السياسة العالمية، كانت تتواصل مع القادة الوطنيين وحتى مع قيصر ألمانيا.

وفي حدث مشهور، حين كانت القوات الروسية تتقدم نحو أصفهان في 1916، لجأ فيلهلم واسموس، نائب القنصل الألماني في طهران، إلى بي بي مريم، وقد بقي مختبئا في منزلها الخاص لأكثر من ثلاثة أشهر، بينما قام الروس بمصادرة ممتلكاتها انتقاما.

لاحقا، قدّر الألمان جهودها، وأرسل القيصر ويليام الثاني وساما مزينا برمزه الخاص إلى سردار مريم، ومنحها الصليب الحديدي، أعلى وسام ألماني، مُشيدا بها كبطلة ضد الإنجليز.

ورغم تفوق نيران العدو، ألحق مقاتلو سردار مريم أضرارا كبيرة بالمصالح البريطانية، فخربوا خطوط التلغراف، ونصبوا الكمائن للقوافل، ومنعوا تقدم بريطانيا العميق إلى أراضي البختياريين.

لم تنتهِ مقاومة بي بي مريم بعد هدنة 1918، فقد عارضت بشدةٍ اتفاقية إيران وبريطانيا لعام 1919، وهي اتفاقية ما بعد الحرب التي كانت تضع إيران تحت نفوذ المستشارين الماليين والعسكريين البريطانيين. ورغم أن رئيس وزراء إيران وقعها سرا، أثارت شخصيات مثل بي بي مريم وآية الله حسن مدرس موجة واسعة من المعارضة، إلى أن رفض البرلمان الإيراني المصادقة عليها.

خلال السنوات العاصفة المحيطة بـ انقلاب اسفند 1921 الذي أفضى إلى حكم رضا شاه، تصرفت بي بي مريم مجددا بشجاعة، إذ منحت محمد مصدق، والي فارس الشاب الذي اضطر للفرار بعد مقاومته لمحاولة رضا خان للسيطرة، ملاذا آمنا، وقد أصبح مصدق لاحقا رئيس وزراء، رافعا راية تأميم النفط ومواجهة بريطانيا، فصل جديد من الملحمة التي ألهمتها سردار مريم.

شهدت بي بي مريم بقاء إيران بعيدا عن الاستعمار المباشر، رغم استمرار نفوذ القوى الأجنبية في بلادها، وفي عام 1934، أعدمت حكومة رضا شاه ابنها الأكبر علي مردان خان بختياري بتهمة التمرد. وبعد ثلاث سنوات، في عام 1937، توفيت بي بي مريم عن عمر يناهز 63 عاما في أصفهان، ودُفنت في مقبرة عائلة البختياري، لتظل ذكراها حيّة كـ امرأة وقفت في وجه “الثعلب العجوز” وحاربت من أجل إيران بطريقتها الخاصة.

ميرزا کوجک خان وثورة الغابات في جيلان

بينما كان جنوب إيران والمناطق القبلية تغلي بالمقاومة، كان عرض مواز يدور في غابات جيلان الخضراء على ساحل بحر قزوين. هنا رفع ميرزا کوجک خان، الرجل الهادئ المتدين وأحد أشهر قادة الميليشيات في تاريخ إيران، علم الثورة المناهضة للاستعمار. كان اسمه الحقيقي يونس، واختار لقب “کوجك” لتمييز نفسه عن والده “ميرزا بزرك خان”. وقد تشكلت خبرته القتالية في شبابه خلال الثورة الدستورية.

بعد انكسار أهداف الدستور، اقتنع ميرزا وأنصاره في جيلان بأن التغيير الحقيقي في إيران قد يكون ممكنا على المستوى الإقليمي فقط،  مع حكومة مركزية تبدو خاضعة للقوى الأجنبية، أرادوا إقامة إقليم حر يكون نموذجا للاستقلال والإصلاح الاجتماعي، وقد أطلقت هذه الفكرة حركة الغابات عام 1914.

في بدايتها، جمعت حركة ميرزا کوجک خان مجموعات من الفلاحين المسلحين والقرويين المستائين حول برنامج شامل للعدالة ومناهضة الإمبريالية في غابات جيلان. وكان الهدف الأول هو تحرير شمال إيران من الاحتلال الروسي. خلال الحرب العالمية الأولى، قمع وحدات قوزاق روسيا القيصرية أي معارضة في جيلان والمناطق المجاورة بعنف، مما أثار حقدا محليا واسعا. وقد حقق رفاق ميرزا نجاحات أولية من خلال نصب الكمائن للأعمدة العسكرية ومهاجمة المواقع النائية، مستفيدين من مهارتهم في غابات كثيفة كان يسيطرون عليها.

بحلول عام 1917، استعاد الثوار أجزاء من قرى جيلان من سيطرة الروس وأسسوا إدارة أولية تحافظ على قيم الثورة الدستورية من حرية واستقلال وفق الظروف المحلية.

كان ميرزا، المسلم المتدين، ملتزما بحماية الملكية الخاصة، ما أكسبه دعما حذرا من بعض ملاك جيلان، وهو ما يعكس نهجه البراغماتي والشامل.

سرعان ما تحولت الأحداث العالمية لصالح الثوار. ففي أواخر 1917، اندلعت الثورة الروسية، وتراجع القوزاق من إيران، ورأى ميرزا في انهيار خصمه القديم فرصة، فحاذى بحذر النظام البلشفي الجديد، معتبرا إياه حليفا ضد الإمبريالية. بالمقابل، تخلّى البلشفيون عن جميع مطالب روسيا القيصرية في إيران، بما فيها اتفاقية 1907، وندّدوا بالمحتلين الإمبرياليين الذين نهبوا البلاد.

لفترة وجيزة، بدا أن وطنيي شمال إيران والاتحاد السوفيتي الجديد لديهم عدو مشترك: الإمبريالية البريطانية، التي بقيت القوة الأجنبية المهيمنة في إيران حتى عام 1918. ومع الفراغ الناجم عن انسحاب الروس، أرسلت بريطانيا قواتها بسرعة إلى جيلان والقوقاز. 

وفي يونيو 1918، حاولت القوات البريطانية بقيادة الجنرال ليونيل دانسترويل العبور من جيلان نحو باكو، وواجهت الثوار في معركة منجیل. وقد هُزم الثوار في مواجهة عمود مشترك من البريطانيين والروس البيض، مدعومين بالمركبات المدرعة والمدفعية الجبلية وحتى الطائرات، بعد معركة عنيفة.

كان رجال ميرزا، الذين امتلكوا معظم البنادق الخفيفة، قد تكبدوا خسائر فادحة؛ وأحد مستشاريه الأجانب، الضابط الألماني ماجور فون باشن، وقع أسيرا في يد البريطانيين خلال المعركة نفسها، وأظهرت هذه التراجع المرير الفرق الكبير في القوة بين قوات العصابات الإيرانية وجيوش العصر الحديث. ومع ذلك، استمرّت حركة الغابات في البقاء.

كلما تصاعد التدخل البريطاني بذريعة دعم القوى المضادة للبلشفية، ازداد تصميم ميرزا کوجک خان على طرد جميع القوات الأجنبية من إيران، وفي أوائل عام 1920، انقلبت الأوضاع لصالحه: فقد انتصرت البلشفية في الحرب الأهلية، وحوّلت اهتمامها نحو الشرق، ورأت في تحركات بريطانيا في إيران تهديدا لأمن الاتحاد السوفيتي.

في أبريل/نيسان 1920، دخلت أسطول بحر قزوين للجيش الأحمر إلى ميناء أنزلي، بذريعة ملاحقة بقايا أسطول الروس البيض، وهربت القوة البريطانية في أنزلي على عجل، تاركة مخازن الأسلحة. انتهز الثوار هذه الفرصة، وطالبوا بريطانيا بالخروج من جيلان، واعتبروا هبوط البحرية السوفيتية “تحريرا”.

في 9 يونيو/حزيران 1920، أعلن ميرزا کوجک خان ومجموعة من الشباب الاشتراكي الإيراني رسميا جمهورية جيلان الاشتراكية السوفيتية، التي كانت أول وأوحد حكومة شيوعية في إيران.

تولى ميرزا رئاسة هذه الجمهورية الحمراء، وتحالف مع الحزب الشيوعي المحلي المدعوم من موسكو. خلال عدة أشهر، شرعت جيلان الحمراء في تجارب شاملة: نشر البيانات، تحديد ثماني ساعات عمل يومية، والدعوة لاستقلال إيران عن جميع القوى الإمبريالية.

لكن ميرزا کوجک خان سرعان ما أصيب بخيبة أمل من التطرف لدى حلفائه الراديكاليين. فقد كان، في أعماقه، وطنيا متدينا، ووجد نفسه في صراع مع الشيوعيين المتشددين حول الدين والملكية، واضطر للتعامل مع خطابهم المتطرف الذي أرعب الفلاحين المحافظين في جيلان.

حتى أواخر عام 1920، أضعف هذا الانقسام الحركة بشكل كبير، وزاد سوء الحظ بتغير الجغرافيا السياسية العالمية مرة أخرى: ففي 1921، وقعت بريطانيا والاتحاد السوفيتي معاهدة في لندن اعترفت بمناطق النفوذ المتبادلة، وتراجعت موسكو عن دعم الحركات الثورية في إيران. وبمعنى آخر، مقايضة موسكو الجمهورية الوليدة في جيلان مقابل أمن حدودها. فجأة، انسحب عملاء السوفيت، وازداد الضغط على ميرزا لإبرام تسوية مع المركز.

رضا خان، القوزاق الطموح والرجل القوي الجديد في طهران، والملك المستقبلي لإيران، كان متعطشا لاستعادة جيلان. في سبتمبر 1921، هاجم لواءه القوزاقي جيلان مستخدما الرشاوى واستغلال الانقسامات القبلية والقوة الصلبة، وانهارت قوات الغابات أمامه.

تحرك ميرزا کوجک خان مع عدد قليل من رفاقه المخلصين خلال البرد القارس والعواصف نحو جبال تالش للقاء عظمت خانم فولادلو، إحدى داعميه الدائمين، لكن في 2 ديسمبر 1921 توفي بسبب البرد الشديد، في الثلوج عند سن 41 عاما.

قام مالك محلي، الذي سعى لكسب رضا الفاتحين، بتشويه جسد ميرزا وفصل رأسه، وأرسله إلى طهران كرمز للانتصار لدى رضا خان، لم يُسترجع رأس ميرزا ويُدفن مع جسده في مسقط رأسه رشت إلا بعد تنحي رضا شاه في 1941.

رغم قصر حياته، ظل ميرزا کوجک خان معروفا باسم “سردار الغابات، الرجل الذي كافح من أجل حرية إيران في مواجهة صعوبات الحرب الهائلة.

إرث المقاومين الإيرانيين ضد الاستعمار البريطاني

حتى منتصف عشرينيات القرن العشرين، اختتم فصل الحرب العالمية الأولى وعواقبها المباشرة. مع انهيار حكم القاجار، حُلّت القوات المحلية، وقُمع الشيوخ الثائرون، ولمدة من الزمن ابتعدت القوات الأجنبية عن إيران. تغير نفوذ الإمبراطورية البريطانية في البلاد من الاحتلال العسكري إلى النفوذ الاقتصادي، خاصة عبر سيطرتها على شركة النفط الإيرانية–البريطانية التي هيمنت على ثروات النفط الإيرانية.

مع ذلك، لم تنطفئ شرارات المقاومة المناهضة للاستعمار. ففي عام 1941، عندما اجتاحت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران مرة أخرى لإزاحة رضا شاه بسبب ميوله الموالية لألمانيا، واجهتا إضرابات واعتصامات شعبية، بما في ذلك حادثة دامية في همدان، حيث رشق الجائعون شاحنات بريطانية بالحجارة، فأطلق الجنود البريطانيون النار عليهم.

وفي عام 1951، قام رئيس الوزراء محمد مصدق، مستلهما نفس الروح الوطنية التي جسّدها رئيس علي دلواري، بـ تأميم صناعة النفط الإيرانية، متحديا مباشرة الهيمنة الاقتصادية البريطانية. وكانت ردود بريطانيا، من خلال الحظر الدولي ومحاولات الإطاحة بمصدق سرا، قد أدّت في النهاية إلى الانقلاب العسكري عام 1953 بتنفيذ من وكالة الاستخبارات الأمريكية سي آي إيه والمخابرات البريطانية، ورغم أن هذا الحدث خارج نطاق سردنا الحالي، إلا أنه يوضح أن المعارك التي خاضها دلواري ومعاصرونه استمرت بأشكال جديدة حتى منتصف القرن العشرين.

عند النظر إلى الماضي، يتضح أن المقاومين الإيرانيين ضد الاستعمار في أوائل القرن العشرين تركوا أثرا لا يُمحى على الهوية الوطنية. فقد جاءوا من مناطق وطبقات وحتى جنسيات مختلفة؛ من شيوخ العشائر والعلماء الدينيين إلى المثقفين، ومن بينهم امرأة باختياريّة حازمة. 

ومع ذلك، كانوا جميعا متحدين في رفض الذل والخضوع لإيران، كانت ثوراتهم ومقاومتهم، رغم قمعها في النهاية بالقوة أو بمتطلبات السياسة الدولية، مصدر فخر وإرث دائم من الكرامة والصمود.

غالبا ما يذكّر المؤرخون الإيرانيون بأن إيران، على عكس كثير من جيرانها، لم تُستعمر رسميا، وذلك بفضل دماء رجال ونساء مثل رئيس علي دلواري، بي بي مريم، وميرزا کوجک خان. لقد فشلت محاولات الإمبراطورية البريطانية المتكررة لتحويل إيران إلى دولة تابعة، سواء بسبب الضغط الشعبي مثل حركة التبغ وقضية معاهدة 1919، أو بفضل الصمود المسلح المحلي.

اليوم، في إيران، يُحتفظ بذكريات تلك السنوات العاصفة بعناية كبيرة. فقد تحول منزل رئيسعلي دلواري في دلوار إلى متحف وطني، حيث يمكن للزوار رؤية بنادقه ورسائله المكتوبة بخط يده ومتابعة سرديات “حرب دلوار” في عروض زمنية توثيقية.

أما تماثيل وصور ميرزا کوچک خان فتزين ساحات رشت، كما أن منزله الخشبي والطيني يُحفظ كموقع تاريخي. وذكريات بي بي مريم بختياري، التي ظلت مخفية في أرشيفات العائلة لسنوات، نُشرت بعد وفاتها لتعريف الأجيال الجديدة بصوتها وسردها لمعارك إيران المبكرة.

في السنوات الأخيرة، وسائل الإعلام وكتب التعليم الإيراني قدّمت هذه الشخصيات إلى مرتبة رمزية وطنية. ففي عام 2020، أُضيفت قصص شجاعة رئيسعلي إلى الكتب المدرسية الابتدائية لتعريف الأطفال بـ”شیر پیرِ تنگستان”، الرجل الذي وقف في وجه الإمبراطورية البريطانية.

كل عام، مع حلول 3 سبتمبر/أيلول، تُقام مراسم إحياء ذكرى في بوشهر وما وراءها في جميع أنحاء إيران. المسؤولون، وكبار السن، وأحيانا أحفاد الأبطال، يزرعون الزهور عند تمثال دلواري وعلى القبور ويعيدون سرد قصص الشجاعة.

من حركة التبغ إلى حركة الغابات، كانت صراعات إيران مع الاستعمار البريطاني في أوائل القرن العشرين لوحة فسيفسائية من لحظات مأساوية ودموية ومشكّلة للهوية الوطنية. هذه الأحداث خلقت تحالفات غير متوقعة بين العلماء الذين باركوا للمقاتلين، والنساء من العشائر اللواتي قُدن الرجال إلى ساحات القتال، وكشفت الثمن البشري الكبير لطموحات بريطانيا الإمبريالية.

لكثير من الإيرانيين، إرث تلك الحقبة يتجسد في شخصيات مثل رئيسعلي دلواري؛ رجال ونساء وقفوا من أجل كرامة إيران. ولا تزال قصص دلواري وبي بي مريم وميرزا کوچک خان ورفاقهم تُروى في الكتب، والأغاني، والمراسم، لتبقى الذاكرة الجمعية للمقاومة الإيرانية حية.