قمة شرم الشيخ تثير الأمل والجدل في إيران

ما زالت أصداء قمة شرم الشيخ، التي عقدت الإثنين 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وما سبقها من تصريحات الرئيس الأمريكي تدوي في العاصمة طهران، فبين من رأى في تلك التصريحات بصيص أمل وفرصة إقليمية لعقد مفاوضات مع واشنطن، وبين من يؤكد أنها مجرد مسرحية للسلام المزعوم الذي تنادي به تل أبيب، وبين هذا وذاك، جاءت ردود الأفعال متباينة تعبر عن الصراع الفكري والحزبي الذي طالما شهدته إيران.

ففي خطوة أعادت الملف الإيراني إلى واجهة المشهد الدولي، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات جديدة، الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أكد فيها رغبته فيما دعاه السلام مع إيران، مشيرا إلى أن طهران ستصبح في وضع جيد إذا ما عادت إلى طاولة التفاوض، وخلال زيارته إلى مصر للمشاركة في قمة شرم الشيخ، قال ترامب إن واشنطن تسعى إلى تحقيق السلام في المنطقة، وإن واشنطن ستصل إلى اتفاق مع إيران في نهاية المطاف، وأضاف: “أعتقد أن إيران ستجد وضعا جيدا في المستقبل”.
كما أعاد ترامب تأكيده أن استهداف المنشآت النووية الإيرانية قبل أشهر كان خطوة ضرورية لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات، مصرحا: “لو لم نقم بتلك الضربة لما كنا اقتربنا من هذا التفاهم المحتمل”.

Image

وفي إشارة لسياسته أكد الرئيس الأمريكي أن سياسة السلام من موقع القوة هي النهج الذي تتبعه إدارته، مشددا على أن واشنطن “لا تبحث عن حرب، لكنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي”، مضيفا أن بلاده تريد علاقة طبيعية مع طهران قائمة على الاحترام المتبادل، لكنها لن تتهاون مع أي تهديد للأمن الدولي.

لا يمكن أن تكون رئيس الحرب والسلام في آن واحد

لم تمر تصريحات ترامب دون رد سريع من طهران، إذ أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن الرئيس الأمريكي “لا يمكنه أن يكون في الوقت نفسه رئيس سلام ورئيس حرب”، مشيرا إلى أن السياسة الأمريكية الحالية تتناقض جذريا مع مفهوم السلام.

Image

وأضاف عراقجي، في بيان رسمي نشر عبر حسابه على منصة إكس 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن الرئيس الأمريكي يعتمد على معلومات مغلوطة تصور البرنامج النووي الإيراني السلمي وكأنه في طريقه إلى التسلح، وهي أكذوبة كبيرة نفتها حتى أجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها، موضحا: “من غير المنطقي أن تطلب دولة ما التفاوض بينما كانت قبل أشهر قليلة تقصف منازل المدنيين في إيران وتقتل الأبرياء”.

من جهتها، أصدرت الخارجية الإيرانية بيانا شديد اللهجة اعتبرت فيه أن إبداء ترامب رغبته في السلام والحوار يتناقض تماما مع السياسات العدائية والإجرامية التي تمارسها واشنطن ضد الشعب الإيراني، وأضاف البيان: “كيف يمكن لمن يهاجم مناطق سكنية ومنشآت نووية سلمية أن يتحدث عن الصداقة والسلام؟ إن مثل هذه التصريحات لا تحمل أي مصداقية”.

Image

وأشار البيان إلى أن إيران “دولة مسؤولة تعرف معنى السلام الحقيقي، لكنها لا تقبل حوارا تحت التهديد أو الحصار”، مؤكدا أن طهران ما زالت منفتحة على الدبلوماسية شريطة أن تقوم على الاحترام المتبادل ورفع الإجراءات العدائية.

ظريف.. وسياسة التفاوض المباشر

في خضم هذا الجدل الدائر، خرج وزير الخارجية الإيراني والمستشار الرئاسي الأسبق، محمد جواد ظريف، بتصريحات لافتة دعا فيها إلى مفاوضات مباشرة ومتعددة الأطراف مع الولايات المتحدة من موقع القوة، معتبرا أن الحوار الحقيقي هو السبيل الأمثل لصون المصالح الوطنية.

Image

وقال ظريف في مقابلة مع صحيفة النهار اللبنانية إن المفاوضات ليست مرادفا للاستسلام، بل هي أداة لإدارة الخلافات من موقع الندية، مضيفا: “إن إيران في مفاوضات الاتفاق النووي لم تنحن أمام مطالب الغرب، بل فرضت كثيرا من شروطها، ومن هنا يجب أن نفهم أن التفاوض ليس ضعفا، بل ممارسة للسيادة”.

كذلك، فقد حذر ظريف من أن مرور الوقت ليس في مصلحة إيران، مشيرا إلى أن الفرص الحالية للحوار قد تضيع إذا استمرت حالة الجمود، أيضا انتقد ظريف من يعتبرون التفاوض تنازلا، قائلا: “الذين يريدون فقط أن يأخذوا دون أن يقدموا شيئا لا يفهمون أبجديات التفاوض”.

وفي معرض رده على الانتقادات التي تقول إن التفاوض لا يجدي بسبب العدوان الإسرائيلي الأخير، قال ظريف: “لقد ساهمت المفاوضات السابقة، رغم ملاحظاتي عليها، في تعزيز وحدة الشعب الإيراني، وأفشلت مخطط تفكيك النظام، لو أننا تركنا مائدة التفاوض حينها، لكنا متهمين بأننا سهّلنا العدوان”.

روحاني يرفض ثنائية الحرب أو الاستسلام

في الشأن نفسه، دعا الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، في تصريحات له، إلى إحياء قوة الردع الإيرانية في جميع المجالات، مظهرا رفضه لما وصفه بالثنائية الزائفة بين الحرب والاستسلام، فخلال لقائه مع عدد من المسئولين الذين كانوا في حكومته، قال: “إذا عززنا قوتنا العسكرية والاستخبارية والسياسية والدبلوماسية، فلن تكون هناك حرب، المهم أن نحقق معادلة لا حرب لأن الجمود لا يخدم البلاد”. 

Image

وأضاف الرئيس الأسبق: “من الخطأ القول إن أمامنا خيارين لا ثالث لهما، إما الحرب أو الاستسلام، يمكننا أن نختار طريقا ثالثا، هو طريق التفاعل والمفاوضة المتكافئة التي تقوم على مبدأ الربح المتبادل”، مؤكدا أن سياسة الحكومة التي ترأستها كانت قائمة على مبدأ رابح رابح، وهي لا تزال قابلة للتطبيق اليوم رغم صعوبة الظروف”.

وختم روحاني بالقول إن “التفاوض اليوم أكثر تعقيداً، لكن ليس مستحيلا، وإذا تعاملنا من موقع قوة ووحدة داخلية، يمكننا أن نحافظ على كرامتنا ونحل مشاكلنا عبر الحوار لا عبر الصدام”.

هل يتشارك الجميع حماس المفاوضات نفسه في إيران؟

على الرغم من تلك التصريحات الرامية لاستغلال فرص المفاوضات، والتي خرجت من التيار الإصلاحي، إلا أن التيار الأصولي لم يغب عن المشهد، حيث انبرى للدفاع عن وجهة نظره فيما يخص التفاوض، وجعل من قمة شرم الشيخ هدفا له.

فبهذا الشأن، نشرت صحيفة إيران الأصولية تقريرها، الأربعاء 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تحت عنوان “مناورة دعائية لترامب وليست فرصة لإيران”، والتي طرحت خلاله آراء السفير الإيراني الأسبق في الكويت، رضا ميرابيان، والذي أوضح أن مؤتمر شرم الشيخ لم يكن مبادرة حقيقية للسلام، بل مناورة سياسية وإعلامية تهدف إلى تلميع صورة ترامب وإظهار انتصار دبلوماسي، مزعوم، مؤكدا أن قرار إيران بعدم المشاركة في المؤتمر كان جزءا من استراتيجية الصبر والانتظار الفعال التي تهدف إلى حماية المصالح الوطنية وعدم الانخراط في ترتيبات تضعها قوى خارجية.

Image

وأضاف ميرابيان أن ترامب يسعى لاستثمار وقف إطلاق النار كإنجاز انتخابي بعد فشله في ملفات أخرى مثل أوكرانيا، إلا أن الواقع الميداني والسياسي في المنطقة لا يدعم ادعاءاته، فالوضع لا يزال هشاً، والثقة بين الأطراف غائبة، وشدد على أن حماس تستمد شرعيتها من الداخل الفلسطيني، ولا يمكن تجاوزها في أي تسوية قادمة، إذ أثبتت قدرتها على إدارة غزة رغم الضغوط.

كذلك، كتبت صحيفة كيهان تحت عنوان “سيرك شرم الشيخ أظهر أن الإصلاحيين يسعون بزشكيان”، انتقدت فيه بشدة التيار الإصلاحي في إيران الذي طالب بمشاركة طهران في مؤتمر شرم الشيخ، معتبرة أن هذا الموقف كان دعوة للمذلة السياسية ومجاراة لسياسات الولايات المتحدة.

Image

وأوضحت الصحيفة أن المؤتمر تحول إلى عرض إعلامي لترامب هدفه استعراض القوة وإذلال القادة المشاركين، إذ تعامل الرئيس الأمريكي بغطرسة مع زعماء عدة دول، حيث رفض مصافحة الرئيس المصري السيسي، وأطلق تعليقات غير لائقة تجاه رئيسة وزراء إيطاليا وزوجة أردوغان، وتحدث بسخرية عن المال اللامحدود مع مسؤول إماراتي، واعتبرت الصحيفة أن هذه السلوكيات تكشف عن طبيعة الاستكبار الأمريكي الذي يسعى للهيمنة من خلال الإهانة والاحتقار.

كما أكد التقرير فكرة أن غياب إيران عن المؤتمر كان قرارا صائبا، لأنه يعني عدم اللعب وفق قواعد الخصوم، ويمثل اعتراضا على محاولات أمريكا وإسرائيل فرض التطبيع مع الكيان الصهيوني عبر مشاريع مثل مؤتمر شرم الشيخ، كما هاجم المقال الإصلاحيين الذين يرون التفاوض مع الغرب ضرورة، حتى لو أدى ذلك إلى الخضوع، وذكر بتجارب سابقة لتحقير قادة دول أمام الرؤساء الأمريكيين مثل رؤساء أوكرانيا وصربيا وتركيا والعراق، مؤكدا أن هؤلاء الإصلاحيين يريدون تكرار نفس التجربة المهينة مع إيران.

وعلى الخط نفسه تتبعت صحيفة خراسان سلوك الرئيس الأمريكي، فكتب الصحفي صادق غفوريان تقريرا بعنوان “الزعماء.. لعبة في يد الشيطان”، حيث أوضح أن ترامب وصل متأخرا ساعتين عن الموعد المحدد دون اعتذار، وبدأ سلسلة من التصرفات المهينة حين سخر من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام الحضور، وتحدث بازدراء إلى رئيس وزراء كندا، وأطلق تعليقات غير لائقة تجاه رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني حين قال لها: “أنت جميلة، آمل ألا تزعجك هذه الكلمة لأنك فعلا كذلك”، كما خاطب أردوغان قائلا: “سلم لي على زوجتك الجميلة”، وسخر من رئيس الوزراء العراقي بالقول إن بلاده تملك النفط ولا تعرف كيف تستخدمه.

Image

كما قال غفوريان إن الصحف العالمية مثل الديلي ميل والغارديان وفوربس سلطت أيضا الضوء على هذه التصرفات التي وصفتها بأنها مسرحية إذلال جماعي لقادة الدول الحاضرة، واختتم التقرير بالإشارة إلى أن إيران رفضت المشاركة في القمة، معتبرةً أن الحضور فيها يعني الوقوع في فخ الإهانة الأمريكية.

وأخيرا، كتبت صحيفة وطن امروز مقالا بعنوان “عرض مخز في شرم الشيخ”، وصفت فيه المؤتمر بأنه مسرحية وقحة نظمها دونالد ترامب لتقديم نفسه كصانع سلام، بينما هو، بحسب الصحيفة، المجرم الأول في جرائم الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين.

Image

وترى الصحيفة أن ترامب، مثل إدارة بايدن، قد شارك مباشرة في الحرب على غزة ولبنان واليمن وإيران عبر الدعم المالي والعسكري الكامل لإسرائيل، وتورط في قتل عشرات الآلاف من المدنيين. كما اتهم واشنطن بشن استراتيجية جديدة داخل أمريكا لقمع الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين، وبتحويل مجلس الأمن إلى أداة لعرقلة أي قرار يطالب بوقف الحرب.

ويصف التقرير جلسة شرم الشيخ بأنها استعراض للتكبر الأمريكي، إذ جلس ترامب متعاليا فيما اصطف القادة تحته، مطلقا نكاتا مهينة تجاه زعماء بريطانيا وإيطاليا والإمارات، أما بالطبع فقد أعتبر رفض إيران المشاركة قرارا حكيما وواقعيا من جانب الصحيفة، إذ منعت بذلك استغلال حضورها لإضفاء الشرعية على خطة السلام المزعومة أو إظهار تراجعها أمام واشنطن، وأن إيران لن تعترف بادعاءات ترامب السلمية، لأنها تعتبر الولايات المتحدة شريكا أساسيا في جرائم الإبادة في غزة، وأن حضورها في هذا المحفل المخزي، على حد تعبيرها، كان سيشكل طعنة لكرامتها الوطنية ولجبهة المقاومة.