الترجمة الملغومة: سقطة لغوية أم تضليل استراتيجي؟

كتب: الترجمان

الترجمة السياسية، خاصة حين تتعلق بالشأن الإيراني، هي عملية “تفكيك ألغام” بامتياز. سلك واحد خاطئ، وقد ينفجر المعنى في وجه القارئ، ليقدم له صورة مشوهة تماما عن موازين القوى في بلد يُبنى فيه النفوذ على مسميات دقيقة للغاية.

ذات مرة، وأنا أراجع تقريرا عاجلا في غرفة الأخبار بموقع”زاد إيران”، قرأت عنوانا يقول: “قائد الشرطة الإيرانية يهدد بالرد على التحركات البحرية في الخليج”.

توقفتُ مذهولا.. 

الشرطة؟! في الخليج؟! 

هل تركت الشرطة (نيروى انتظامى) تنظيم المرور وملاحقة اللصوص في شوارع طهران لتنوب عن “البحرية” في مواجهة الأساطيل الدولية؟

فتحت النص الفارسي الأصلي، فكانت العبارة: 

“فرمانده سپاه پاسداران”

هنا أدركت أن المترجم وقع في فخ “الاشتقاق اللغوي” القاتل. فكلمة “پاسداران” تعني لغويا “الحراس”، ومن هنا ظن المترجم أنها تعادل “الشرطة” أو “الحرس المدني” بمفهومه التقليدي، فترجمها باجتهاد خاطئ “قائد الشرطة”.

استدعيت الزميل المترجم، وقلت له:

  • يا عزيزي، هل تعرف الفرق بين الجيش واللجان الشعبية؟

نظر إليّ باستغراب، فأكملت:

  •  في إيران، كلمة “سپاه” لا تعني مجرد حرس أو شرطة، إنها تشير حصرا إلى “الحرس الثوري”. هذا ليس جهازا أمنيا داخليا، بل هو جيش مواز، له بحرية، وجو، وقوة صاروخية، ونفوذ إقليمي.

ابتسم المترجم وقال:

  •  لكن القاموس يقول إن “پاسدار” هو الحارس، والشرطة هم حراس الأمن!

أجبته:

  •  القاموس يمنحك “المادة الخام”، لكن الواقع السياسي يمنحك “الرتبة”. حين تترجم “سپاه” إلى “شرطة”، فأنت تُقزّم قوة عسكرية استراتيجية وتجعلها جهازا محليا. القارئ العربي حين يسمع “شرطة”، يتخيل زيا معينا ودوريات تجوب الشوارع، بينما النص يتحدث عن قوة عسكرية كبيرة لها نفوذ واسع.  

ثم جلست أوضح له الفرق الجوهري في هيكلية القوة في إيران:

هناك “ارتش” وهو الجيش الكلاسيكي المنوط به حماية الحدود. وهناك “سپاه” وهو الحرس الثوري المنوط به حماية الثورة ومصالحها العابرة للحدود، وهناك “فراجا” وهي الشرطة وقوى الأمن الداخلي.

الخلط بين هذه المسميات ليس مجرد “سقطة لغوية”، بل هو “تضليل استراتيجي”. فالخبر الذي يتحدث عن “الحرس الثوري” هو خبر موجه للخارج، أما الخبر الذي يتحدث عن “الشرطة” فهو شأن داخلي بحت.

تخيل لو أن مترجما إيرانيا قرأ عن “قوات الصاعقة” في جيش عربي، فترجمها إلى الفارسية بأنها “خبراء في الأرصاد الجوية” لأن الصاعقة ظاهرة طبيعية! هذا بالضبط ما يفعله من يترجم المصطلحات العسكرية الإيرانية حرفيا دون فهم أوزانها السياسية.

وهكذا، عاد الخبر إلى نصابه: “قائد الحرس الثوري يهدد..” ، فاستعاد العنوان ثقله، وفهم القارئ أن الرسالة صادرة من قلب المؤسسة العسكرية الأقوى في البلاد.

لهذا، نصيحتي الدائمة: “لا تكن أسيرا للمعنى المعجمي، بل كن تلميذا في مدرسة الواقع. فالمترجم الذي لا يعرف الفرق بين (الزي العسكري) و(الزي الأمني)، قد يرسل جيشا كاملا للمهمة الخطأ بجرّة قلم”.

وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.