من مجاهد الحرب إلى قائد حكومة الظل.. سعيد جليلي السياسي المخضرم الذي يحلم برئاسة إيران (بروفايل)

في عالم السياسة الإيرانية، يبرز سعيد جليلي كشخصية مثيرة للجدل، تجمع بين الولاء الشديد لمبادئ الثورة والمواقف الحازمة تجاه الغرب، يُعتبر جليلي، المولود في قلب إيران، رمزا للصمود والتفاوض الصلب، حيث قاد المفاوضات النووية في أصعب وأحلك الفترات، وترشح مرارا للرئاسة دفاعا عن “الجهاد الاقتصادي” و”الحياة الكريمة”. 

مع اقتراب إيران من تحديات جديدة في 2025، بعد هدنة هشة مع إسرائيل وتغييرات أمنية، يظل جليلي لاعبا رئيسيا في النظام، ينتقد الحكومة الحالية ويحذر من “الفرص المهدورة”. 

الميلاد والتعليم المبكر

ولد سعيد جليلي في 6 سبتمبر/أيلول 1965 في مدينة مشهد، المدينة المقدسة شمال شرق إيران، في أسرة متدينة، والده من بيرجند، حاصل على شهادة في اللغة الفرنسية، وكان معلما ومديرا لمدرسة نواب صفوي الابتدائية في مشهد، ووالدته من أردبيل.

تربى على قيم الثورة وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مشهد، ثم انتقل إلى طهران ليدرس في جامعة إيران للعلوم والتقنية، حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة الإمام صادق، وكانت رسالته بعنوان “أساس الفكر السياسي الإسلامي في القرآن”، مما يعكس توجهه الفكري الإسلامي العميق، يتقن جليلي اللغتين الإنجليزية والعربية، ومنذ عام 2000، يدرّس العلوم السياسية في جامعة الإمام الصادق، بالإضافة إلى تدريسه السابق في جامعة شريف التكنولوجية.

تزوج سعيد جليلي بفاطمة سجادي في عام 1992، بعد حصولها على درجة الماجستير وهي طبيبة عامة، وكانت نتيجة هذا الزواج ابن اسمه سجاد.

محطة الصمود الأولى

خلال دراسته، انخرط جليلي في الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) كعضو في قوات البسيج، الذراع الشعبي للحرس الثوري، في عام 1986، أثناء عملية “كربلاء 5″، أصيب إصابة بالغة أدت إلى فقدان ساقه اليمنى، مما جعله رمزا للتضحية في أوساط المحافظين، هذه التجربة شكلت شخصيته، حيث يُشار إليه دائما كـ”مجاهد معاق”، وأثرت على مواقفه اللاحقة تجاه “المقاومة” ضد الضغوط الخارجية.

صعود في الجهاز الإداري

بدأ جليلي مسيرته المهنية عام 1989 في وزارة الخارجية الإيرانية، حيث تولى مناصب مثل رئيس مكتب التفتيش حتى 1996، ثم مساعد أول للشؤون الأمريكية، بين 2001 و2005، عمل مديرا للتحقيقات الجارية في مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي. 

مع انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا عام 2005، عُيّن نائبا لوزير الخارجية لشؤون أوروبا والولايات المتحدة، وكان مستشارا للرئيس أيضا. 

في سبتمبر/أيلول 2007، تولى أبرز مناصبه: أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ورئيس فريق التفاوض النووي حتى 2013، وأصبح أول عضو في فريق التفاوض النووي الإيراني، منذ ذلك الحين، أصبح اسم سعيد جليلي مألوفا للعامة. شارك في مفاوضات مع أوروبا حول القضية النووية الإيرانية لمدة ست سنوات، وخلال هذه السنوات، أصبح شخصية بارزة في وسائل الإعلام. 

وفي ما يتعلق بالسنوات التي قضاها في المفاوضات والمنهج الذي اتبعه فيها، تجدر الإشارة إلى جملتين؛ الأولى هي نقاش كتبه عنه ويليام بيرنز، نائب وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، في مذكراته بعنوان “القناة خلف الستار”: “كان جليلي يلقي خطابات مدتها 40 دقيقة، ويتأمل بلا داعٍ في الثقافة والتاريخ الإيرانيين… وكان جليلي يتفوه بكلمات غامضة صادمة كلما أراد التهرب من إجابة مباشرة”. 

هناك قضية أخرى تحدث عنها علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الإيراني الاسبق، في عام 2013: “الدبلوماسية لا تعني أن يذهب شخص لإلقاء خطاب أمام دول أخرى ويقول شيئا؛ الدبلوماسية لا تعني أن نجلس على جانب والجانب الآخر يجلس على الجانب الآخر ونحن نقول شيئا محددا، دون اتخاذ أي إجراءات أخرى أبعد من ذلك”. 

بعد تولي حسن روحاني الرئاسة في إيران، عُزل من هذا المنصب، لكنه عُيّن عضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام في 2013، وما زال فيه حتى 2025، كما انضم إلى المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في 2014، ويرأس لجنته السياسية.

قائمة المناصب التي شغلها سعيد جليلي:

1991: رئيس إدارة التفتيش بوزارة الخارجية

1997: النائب الأول لمدير وزارة الخارجية الأمريكية

1379: مدير التحقيقات الجارية، مكتب القيادة

2005: نائب وزير الخارجية لشؤون أوروبا وأمريكا، وزارة خارجية إيران 

2008: ممثل القائد في المجلس الأعلى للأمن القومي 

2014: عضو المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية

الدور في المفاوضات 

يُعد جليلي “المفاوض النووي” الأبرز، حيث قاد الفريق الإيراني في محادثات مع الدول الغربية بين 2007 و2013. يُثنى عليه في الأوساط المحافظة لتعزيزه موقف إيران، رافضا التنازلات السريعة، مما أدى إلى تعزيز البرنامج النووي رغم العقوبات. مواقفه الصلبة جعلته يُلقب بـ”قائد حكومة الظل”، حيث يدافع عن ما يُعرف بـ”اقتصاد المقاومة” ضد الضغوط الأمريكية.

محاولات للوصول إلى القمة

سعيد جليلي، السياسي المخضرم الذي واجه نكستين في انتخابات البرلمان الإيراني بين عامي 1999 و2003، ترشح للرئاسة ثلاث مرات، حين دخل معترك الرئاسة عام 2013 رافعا شعار “حياة كريمة”، ورغم حصوله على المركز الثالث بأكثر من 4.6 مليون صوت، أي ما يزيد عن 11% من الأصوات، إلا أن الهزيمة لم تثنه عن طموحاته. 

عقب الانتخابات، طرح فكرة إبداعية: تشكيل “حكومة ظل”، وهي رؤية عززها لاحقا، خاصة بعد خوضه السباق الرئاسي مجددا عام 2021 بشعار “الجهاد الاقتصادي العظيم لنهضة إيران” لكنه، في خطوة مفاجئة، تنازل عن ترشحه لدعم إبراهيم رئيسي ومع وصول الأخير إلى سدة الرئاسة كثالث عشر رئيس لإيران، رفض جليلي الانضمام للحكومة، مصرا على مواصلة مشروعه السياسي عبر “حكومة الظل”. 

لكن استشهاد رئيسي والوفد المرافق له في حادث مأساوي أثناء رحلة إقليمية قلب موازين السياسة، فتسارعت وتيرة الانتخابات الرئاسية، وفي لحظة حاسمة، عاد جليلي إلى المشهد، مسجلا ترشحه للانتخابات الرئاسية الرابعة عشرة ضد المرشح الإصلاحي مسعود بزشكيان في الأول من يونيو/حزيران 2024، لكنه خسر، حيث حصل بزشكيان على الفوز. 

خلال المناظرات، انتقد جليلي سياسات السابقين، معتبرا العالم أكبر من “ثلاث دول”، وداعيا لاستغلال فرص إيران في أفريقيا وآسيا، معلنا استمراره في السعي نحو رؤيته لمستقبل إيران.

بين المقاومة والنقد

يُعرف جليلي بمواقفه المحافظة المتشددة، من جهة يدعم البرنامج النووي ومن ناحية أخرى يرفض “التفاوض كحل لكل المشكلات”، معتبرا إياه أداة جزئية فقط، ينتقد الحكومات الإصلاحية لـ”إهدار الفرص”، مثل عدم الاستفادة من ترانزيت إيران أو علاقات مع أفريقيا.

وفي منشوراته على منصة إكس، يؤكد على “النعم الإلهية” مثل الوحدة والولاية، ويوجه انتقادات عديدة للحكومات الإيرانية بسبب ارتفاع التضخم وأزمات الطاقة يدعو لـ”استخدام آلاف الفرص” التي منحها الله للأمة.

في 2025، كان يشغل جليلي منصب ممثل المرشد علي خامنئي في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وعضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام، والمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، يظل دوره سياسيا بارزا، خاصة بعد هدنة الحرب مع إسرائيل في يوليو/ تموز 2025، حيث أعلنت طهران تغييرات أمنية، بما في ذلك عودة علي لاريجاني إلى قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي للمرة الثانية وممثلا عن المرشد الإيراني.

بعد التغييرات والاضطرابات التي شهدها المجلس الأعلى للأمن القومي، والتي أسفرت عن إقالة علي أكبر أحمديان من منصبه كأمين عام للمجلس وتعيين علي لاريجاني خلفا له، استخدم سعيد جليلي مصطلحا قاسيا في أحد خطاباته حول المفاوضات، مما يُظهر عدم رضاه عن التطورات، بل وغضبه أيضا، ومن اللافت للنظر أنه نشر مقطع الفيديو الخاص بذلك التعليق على صفحته على منصة إكس مع نص ما قاله ليحظى بتأثير واسع، وقد أثار بعد نشره ردود فعل من الأصوليين والإصلاحيين على حد سواء. 

عقب هذا القرار كتب جليلي، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام عبر منصة إكس: “من ظنّ أن مليارات الدولارات ستدخل البلاد عبر مفاوضات، وأن جميع المشاكل ستُحلّ باجتماع الرؤساء في أروقة الأمم المتحدة، رأوا أنهم هاجمونا في خضمّ هذه المفاوضات، لكنهم اليوم يعودون إلى نفس النهج السابق! إن تأكيد القيادة على أهمية التوجيهات دليلٌ على هذه المسألة”.

إحدى وسائل الإعلام ذكرت إنه مع المراسيم الجديدة في المجلس الأعلى للأمن القومي (تعيين علي لاريجاني أمينا لهذا المجلس) أصبح دور سعيد جليلي رمزيا تماما.

وفي هذا السياق كتب موقع “صابرين نيوز” عبر منصة تليغرام: “مع الأحكام الجديدة في مجلس الأمن القومي أصبح دور سعيد جليلي رمزيا تماما وتم إبعاده عمليا عن هيكل صنع القرار الأيديولوجي بسبب مواقفه المثيرة للجدل في الانتخابات وسلوك المحيطين به”.

انتهت فترة عمل سعيد جليلي كأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، ونشر هذه الرسالة..

جاء ذلك إثر تداول تقارير عن إمكانية استبدال جليلي بلاريجاني في عضوية المجلس، وسط نقاشات حول “العقلانية” تحاصر “الراديكاليين”، في مايو/أيار 2025، أدلى جليلي بتصريحات حول أزمات إيران، محذرا من “الديكتاتورية” في التعامل مع المعارضة، يستمر في جلسات “حكمة السياسة الإسلامية في القرآن”، مثل الجلسة 107 في أغسطس/آب 2025 عن قوم بني إسرائيل.

سخرية جليلي من أنصار التفاوض

بعد تعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي بقرار من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أطلق حساب منسوب إلى سعيد جليلي سلسلة أربعة تغريدات نارية تعارض المفاوضات.

استهل جليلي: “إذا لم تواجهوا ظلم الظالمين في وقته، سيأتي يوم يشهد فيه العالم جرائمهم وهم يزهقون أرواح شعوب المنطقة بالتجويع والهجمات الشرسة.”

ثم أردف: “أرسل الله نبيا ليخلّص بني إسرائيل من فرعون، لكنهم ما لبثوا أن عبدوا العجل حين غاب نبيهم أربعين يوما واليوم، بعد انتصار شعبنا على العدو في خضم المفاوضات، يعود البعض للحديث عنها مجددا!”

وفي تغريدة ثالثة، هاجم جليلي: “من توهموا أن المفاوضات ستجلب المليارات وتحل الأزمات في أروقة الأمم المتحدة، رأوا العدو يهاجمنا خلالها. والآن، يعيدون الكرّة بالنهج الفاشل نفسه!”، وختم: “توجيهات القيادة تؤكد أهمية اليقظة في اختيار المسار”.

هوجم جليلي بقوة من الإعلام الإيراني والسياسيين بسبب هذه التويتة الغريبة والصادمة، كتبت وكالة تسنيم للأنباء التابعة للحرس الثوري الإيراني أن كل هذه نقاط مهمة، وكلما تأملنا فيها، اتضح زيف تغريدة جليلي!

أما مستشار رئيس البرلمان الإيراني محمود رضوي، فقال ردا على تصريحات جليلي بشأن المفاوضات: “لقد أظهر الناس خلال أيام الحرب أنهم يقفون خلف موسى بشكل كامل وليسوا من بني إسرائيل الذين عبدوا العجل دون علمهم”.

وكتب رئيس تحرير صحيفة فرهيختكان أونلاين، محمد زعيم زاده، “إن ترسيخ صورة مفادها أن كبار المسؤولين في البلاد غير مطلعين على القرارات، بما في ذلك المفاوضات، وما إلى ذلك، هو أجندة كررتها في السابق عدة حسابات على تويتر وقناة تبث من لندن. وقد عبر عنها الآن عضو رسمي في المجلس الأعلى للأمن القومي”.

وتساءل: “هل غرس هذه الصورة الزائفة يصب في مصلحة النظام والبلاد أم يضرّ بها؟ للإجابة عن هذا السؤال، لنستعرض أهداف الصهاينة. إنهم يسعون الآن إلى هدفين مهمين لم يحققوهما في الحرب: أولا، ترسيخ سيادة مزدوجة بين مسؤولي البلاد وإنهاء حالة الإجماع، وثانيا، تعميق الهوة بين أبناء الشعب وخلق ثنائية قطبية مروّعة”.

ورغم ذلك مع كل هذه التطورات، يبقى جليلي شخصية مؤثرة، قد تشهد مسيرته تحولات في ظل التوترات الإقليمية.