- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 580 Views
في مشهد إقليمي سريع الاشتعال، تتراكم مؤشرات التصعيد على خطوط التماس بين طهران وتل أبيب، سباق تسلح يتسارع، جدل متجدد حول القدرات النووية، وتلويح متبادل بالردع الصاروخي، تتقاطع هذه التطورات مع تبدل في خرائط الاصطفاف، بين تعاون أمني عابر للحدود، وترتيبات دفاعية تزداد تعقيدا تحت مظلة شراكات عسكرية آخذة في الاتساع، ورغم هدنة هشة على جبهات غزة ولبنان، تبقى بؤر الاشتعال مفتوحة، فيما تتقدم الحرب النفسية وحملات التأثير لتشكيل المزاج العام وإرباك الحسابات.
إيران تستعد للحرب
حذرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في تقرير لها، الأحد 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، من احتمالات الرد الإيراني على أي هجوم إسرائيلي مستقبلا، وقالت إنه في حال قررت تل أبيب مهاجمة طهران مرة أخرى، فإن رد الأخيرة سيكون أشد بكثير، حيث ستطلق ألفي صاروخ دفعة واحدة باتجاه إسرائيل، وأضافت” قال المسؤولون الإيرانيون إن مصانع الصواريخ تعمل على مدار الساعة، وإنه في حال نشوب حرب جديدة، تعتزم إيران إطلاق ألفي صاروخ في وقت واحد لتعطيل منظومات الدفاع الإسرائيلية، وليس خمسمائة صاروخ خلال 12 يوما كما حدث في المعركة السابقة”.

كما أفادت الصحيفة في تقريرها الذي تناولت فيه الوضع الراهن بين إيران وإسرائيل” في غياب المفاوضات، وعدم وجود رقابة أو شفافية بشأن حجم المخزون النووي الإيراني، يشعر الكثيرون في المنطقة بالقلق من أن حربا جديدة بين إيران وإسرائيل باتت حتمية، وأن اندلاعها مسألة وقت فقط”، وتابعت” وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال مرارا إنه قضى على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، إلا أن الخبراء والمحللين يشكّكون في هذا الادعاء”.
وأشار التقرير إلى أن الاتفاق النووي لعام 2015، والذي كان يهدف إلى تقييد تخصيب اليورانيوم الإيراني، قد انتهت مدته في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وأن العقوبات أُعيد فرضها بالكامل بينما توقفت المفاوضات الدبلوماسية، وأن التقديرات تقول بإن إيران لديها كمية من اليورانيوم المخصب تكفي لإنتاج نحو 11 قنبلة نووية.
ويذكر التقرير “في الوقت الذي تزعم فيه طهران أن هذه المخزونات دفنت تحت أنقاض الغارات الإسرائيلية والأمريكية، قال مسؤولون إسرائيليون في تصريحات خاصة لنيويورك تايمز إنهم يعتقدون أن إيران نقلت هذه المخزونات سرا، وأن إيران تنشى موقع تخصيب جديدا يحمل اسم جبل كلنك وترفض فتحه أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، مضيفا” إن مصانع الصواريخ الإيرانية تعمل 24 ساعة يوميّا، وأنه في غياب المفاوضات أو أي رقابة دولية، فقد دخل البرنامج النووي الإيراني مرحلة حرجة وخطيرة”.
يأتي هذا التقرير في الوقت الذي نشرت فيه شبكة سي إن إن الأمريكية تقريرا استقصائيا، 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، حول إعادة تسلح إيران سرا بمساعدة الصين رغم العقوبات الأممية، وأكدت الشبكة، استنادا إلى مصادر استخباراتية غربية، أنّ إيران كثفت عمليات استيراد مادة بيركلورات الصوديوم”من الصين، وهي المكون الأساسي في تصنيع الوقود الصلب المستخدم في الصواريخ الباليستية، وأوضحت أن نحو 2000 طن من هذه المادة وصلت إلى ميناء بندر عباس الإيراني خلال الأسابيع الماضية، في محاولة لتعويض الصواريخ التي فُقدت خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

كما أوضح التقرير أن صور أقمار صناعية أظهرت رحلات متكررة لسفن صينية وإيرانية خاضعة للعقوبات الأمريكية، يعتقد أنها شاركت في نقل تلك المواد، وأنه، ورغم تفعيل الأمم المتحدة لآلية العودة التلقائية للعقوبات والمعروفة بسناب باك، فإن الصين ترفض الاعتراف بشرعيتها وتؤكد أنها لا تنتهك أي حظر دولي، فيما يرى خبراء أن هذا الدعم الصيني غير المباشر يمكن طهران من إعادة بناء ترسانتها الصاروخية بسرعة، في وقت تعتبر فيه المنطقة على أعتاب سباق تسلحٍ جديد بين إيران وإسرائيل.
رد الفعل الإسرائيلي.. حملة دعائية نفسية أم تهديدات صريحة؟
ردا على تلك التقارير، لم يكن أمام تلب أبيب إلى أن تظهر استعدادها لضرب إيران وإسقاط نظامها، الأمر الذي رصده تقرير موقع فرارو التحليلي الإيراني، في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، حيث أفاد” إن متابعة نشاط الحسابات الرسمية والسيبرانية التابعة لإسرائيل تظهر أنها أطلقت خلال الأيام الأخيرة موجة جديدة من العمليات النفسية ضد إيران، وتشمل هذه الموجة تصريحات لمسؤولين رسميين، والمتحدث الفارسي باسم جيش الاحتلال، وحسابات معروفة ومجهولة على تويتر، إضافة إلى تقارير إعلامية”.

وأضاف الموقع أن أسباب هذه الحملة، وفقا لتحليله، ليست واضحة تماما، لكن مضمونها يظهر أن الطرف الإسرائيلي يستهدف مجالات متعدّدة من الناحية النفسية، مشيرا إلى أن الموجة السابقة من العمليات النفسية كانت تقوم على فكرة استعداد إيران لشن هجوم استباقي واسع.
وفي هذا السياق، كان مسؤول أمني إسرائيلي قد صرح مؤخرا بأنه على تل أبيب أن تستغل ما تبقى من فترة إدارة ترامب لتحقيق ما وصف بإسقاط النظام الإيراني، مشيرا أنه يجب على تل أبيب أن تحقق أكبر مكاسب ممكنة من وجود ترامب وإدارته في السلطة، والذي سينتهي في 20 يناير/ كانون الأول 2029.
يأتي هذا في الوقت الذي جدد فيه بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي تهديده لإيران، لكن هذه المرة تحت شعار الرد على الهجوم بالهجوم، مصرحا أنه دمر التهديد النووي والبالستي الإيراني، ومضيفا” سنهاجم كل من يهاجمنا، وها نحن اليوم نفرض أثمانا باهظة على أعدائنا”.
الوضع الإقليمي.. هل تتمتع إيران بظهير استراتيجي في المنطقة؟
حول الموقف الإقليمي ودور العلاقات الإيرانية العربية في دعم طهران، فقد كشفت تقارير إعلامية غربية عن تحول غير مسبوق في موازين القوى بالشرق الأوسط بعد عامين من اندلاع حرب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بين إسرائيل وحماس، فحسب تقرير نشرته مجلة ناشونال انترست الأمريكية، في أغسطس/ آب 2025، فإن الحرب الإقليمية الواسعة دفعت واشنطن إلى توسيع التنسيق العسكري مع حلفائها العرب تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية، سنتكوم، حيث تعاونت قوات عربية مع إسرائيل في العمليات الدفاعية الصاروخية ضد إيران، هذا التطور جعل الولايات المتحدة تنتقل من حليف سياسي إلى شريك عملياتي مباشر لإسرائيل، في علاقة باتت تشبه تعاونها مع دول حلف الناتو.

ويفيد التقرير أنه، ورغم اشتداد الحرب، سوء على القطاع أو مع طهران، فإن العلاقات الدبلوماسية لم تقتطع بين إسرائيل والدول العربية الموقعة على اتفاقات أبراهام، إذ حافظت مصر والإمارات والبحرين والمغرب على تمثيلها الدبلوماسي والتعاون الأمني مع تل أبيب، فيما اكتفت الأردن بسحب سفيرها مؤقتا عام 2023 دون المساس بالروابط الدفاعية، وبذلك انتهى النمط التقليدي للعلاقات العربية الإسرائيلية خلال النزاعات السابقة.
ويرى التقرير أن إيران باتت تواجه طوقا استراتيجيا مضادا من تحالفات عربية أمريكية تتقاطع مصالحها في احتواء النفوذ الإيراني، في وقت خاضت فيه إسرائيل أطول حرب في تاريخها عبر سبع جبهات متزامنة، مما أثبت قدرتها على الصمود العسكري والنفسي والاقتصادي.
هل بدأ العد التنازلي للحرب بين إيران وإسرائيل؟
مع ذلك يبقى المشهد الإيراني مترقب، يراقب التحركات، ربما يأمل أن ينتهي الصراع، إلا أنه يشعر بالخطر، خطرا ترجمه الدكتور روح الأمين سعيدي، الخبير والمحلل للشئون الدولية وعضو الهيئة العلمية بجامعة الأمام الصادق، الذي قال إن موقف القيادة الإيرانية قد حسم مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة بوصفه طريقا مسدودا، مؤكدا في الوقت ذاته رفض تصنيع السلاح النووي، ومحافظا أيضا على سياسية الغموض النووي التي تضيف بعدا دفاعيا أخر.

وفي تقديره، فإن احتمال تجدد حرب واسعة في الأشهر القريبة منخفض، رغم بقاء الخيار العسكري قائما نظريا، فسيناريو الصدمة الذي اعتمدته إسرائيل سابقا، وبني على عنصر المفاجأة بعد تحضير امتد 15 عاما حسب وصفه، لم يعد قابلا للتكرار مع جاهزية منظومات الدفاع والإنذار، وكشف كثير من قنوات الاختراق داخل إيران، ويضيف سعيدي أن القدرة الصاروخية الإيرانية لم تمس وأن طهران قادرة على رد موجع يمنع تل أبيب من تعطيل الضربة الثانية، ما يقلل مكاسب أي هجوم استباقي.
وأمام تراجع فاعلية الحسم العسكري السريع، يرجح سعيدي أن تتحول استراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الداخل الإيراني، وذلك عن طريق رفع منسوب الضغوط الاقتصادية والمالية، تقليص صادرات النفط، تقييد الاتصالات الدولية، ومحاولة تفعيل تصدعات اجتماعية وقومية، مع توظيف الاغتيالات والتخريب إن لزم الأمر، والهدف إنتاج بيئة سخط داخلي تستثمر سياسيا لاحقا، ومع ذلك، يؤكد أن على القيادات العسكرية إبقاء الاستعداد القتالي في أعلى مستوياته تحسبا لأي مفاجآت.
أما إقليميا، يرى سعيدي أن ميزان القوى التاريخي القائم على توازن بين إيران وإسرائيل والسعودية وتركيا قد اختلّ بعد السابع من أكتوبر، إذ دفعت الرياض وأنقرة ودول أخرى إلى الهامش عمليا، وبات مصير المنطقة يحسم» عبر تقابل مباشر بين طهران وتل أبيب، كما يذهب سعيدي بعيدا في توصيف مآلات هذا التقابل، إذ يقول أنه في حال خسرت إيران، فستتجه المنطقة إلى هيمنة إسرائيلية شبه منفردة لغياب قوة موازنة عربية أو تركية، وإذا تفوقت إيران، فسيعاد تركيب نظام إقليمي على قاعدة التعاون البراغماتي بين طهران والرياض وأنقرة وربما باكستان، بما يعكس قراءات مختلفة للإسلام السياسي والسلفي والعلماني.

وخارجيا، يضع سعيدي المشهد ضمن انتقال عالمي من أحادية غربية إلى تعددية أقطاب، تتقدم فيها الصين وروسيا ومعهما فاعلون أخرون وشركات كبرى، ويشدد بأن تحدد إيران موقعها بوضوح في هذا النظام الجديد، وذلك عن طريق ترسيخ الشراكات مع بكين وموسكو، وتفعيل مسارات شنغهاي وبريكس، وتجاوز التذبذب بين الشرق والغرب الذي قوض ثقة الشركاء.، فيما يشير إلى مؤشرات عملية، منها الأنباء عن شراء مقاتلات سو-35 وتدريب طيارين، بوصفها عناصر في إعادة بناء القدرة الردعية.
على الجانب الأخر، فيقيم سعيدي وضع إسرائيل بأنه سيئ سياسيا واعتباريا، وذلك رغم قدرتها على القتال الطويل، فتآكل الصورة الدولية، تصدعات داخلية، وضغط انتخابي على نتنياهو قد وضع حملا ثقيلا على عاتق الأخير وحلفائه، ورغم وقف إطلاق النار الهش في غزة، تبقى عوامل الاشتعال قائمة، فسلاح حماس وحزب الله لم ينزع، والشارع العربي يزداد رفضا لمسارات التطبيع، ما يجعل أي سلام بالإكراه على طريقة إدارة ترامب وخطة سلام غزة، على حد وصفه، اتفاقا مؤقتا لا يعالج جذور الصراع.

