فدائي بـ 24 هوية.. رجل دوّخ أجهزة الشاه على مدى عقدين

كتب: برهان محمودي

يزخر تاريخ الثورة الإسلامية في إيران بأسماء كان لها أثر حاسم في مجرى الأحداث، تارة من الهامش وتارة من قلب الساحة. ومن أبرز هؤلاء الشهيد السيد علي أندرزكو الذي حجز لنفسه مكانة استثنائية؛ فقد استطاع أن يتحدى جهاز “السافاك” ـ جهاز الاستخبارات والأمن في عهد الشاه ـ لما يقارب عشرين عاما، متنقلا بين المدن والحوزات العلمية والأسواق كطيفٍ عصيّ على الملاحقة. 

لم يكن سياسيا محترفا ولا قائدا عسكريا، لكنه بفضل شبكة من الهويات المزوّرة، وبما عُرف عنه من مبادرة فردية وجرأة نادرة، تجاوز حدود الفرد العادي ليؤدي دورا فريدا في مسار الثورة.

في أزقة حيّ شوش بطهران، حيث تختلط أصوات السوق بإيقاع الحياة اليومية، وُلد السيد علي أندرزكو في ظهيرة يوم قائظ من أيام رمضان سنة 1939، وقد انتهت حياته في 24 آب/أغسطس 1978، تحت وابل من رصاص جهاز “السافاك”، لتتحول سيرته إلى حكاية عن مقارعة الظلم، والنبوغ، والتفاني المتواصل في سبيل قضية كبرى. كان أندرزكو رجل دين مناضلا وفدائيا ثوريا ذاع صيته بلقب رجل الألف وجه”؛ إذ استطاع، عبر شبكة معقّدة من الأسماء المستعارة، والتنكر، والعمليات السرية، أن يصير أسطورة في تاريخ الثورة الإيرانية.

نشأ أندرزكو  في بيت متواضع، وهو أصغر أبناء عائلة مؤلفة من سبعة أولاد: أربعة ذكور وثلاث إناث. كان والده السيد أسد الله أندرزكو  بائع أدوات في سوق الجمارك بعد أن تعثّر سابقا في مهنة البناء، بينما كانت والدته امرأة مؤمنة، راسخة في تقاليد المذهب الشيعي، تبث في البيت جوا روحيا عميقا. 

ظلّ الفقر ظلا ثقيلا على حياتهم؛ فالأوضاع المالية المتردية دفعت بعلي منذ طفولته إلى العمل لتخفيف عبء المعيشة عن أسرته، وقد اختير اسمه “علي” تيمّنا بتزامن ولادته مع ذكرى استشهاد الإمام علي بن ابي طالب، في دلالة على عمق الارتباط الديني للعائلة.

التحق علي وهو في السابعة بمدرسة فرخي الابتدائية في منطقته، وظلّ فيها حتى الصف السادس، غير أن الفاقة حالت دون مواصلة دراسته النظامية، ومنذ الثانية عشرة، عمل في ورشة النجارة التي كان يديرها شقيقه السيد حسن في سوق طهران، لكن شغفه بالعلم الديني لم يخفت، فكان بعد انتهاء عمله اليومي يقصد مسجد هرندي ليتلقى الدروس على أيدي أساتذة منهم حجّة الإسلام بروجردي والميرزا علي أصغر هرندي، حيث درس كتب الحوزة كـ جامع المقدمات ونهج البلاغة وعلوم الفقه والأصول. وقد شكّلت تلك المعارف الأساس الفكري الذي هيأه لدوره الثوري لاحقا.

تزامنت فترة مراهقة علي أندرزكو مع التحولات السياسية العاصفة في خمسينيات القرن العشرين، فقد كانت حركة تأميم صناعة النفط، واغتيال السياسي الإيراني عبدالحسين هزير على يد جماعة فدائيي الإسلام، والخطب النارية لـ أبي القاسم كاشاني، رجل الدين والناشط السياسي، قد أشعلت أجواء المجتمع الإيراني آنذاك.

في هذه البيئة الملتهبة، كان علي الشاب يعمل في سوق طهران، وهناك أدرك على نحو مباشر ظلم نظام الشاه وبطشه، ويروي شقيقه السيد حسين أنّ علي، حين كان في الثالثة عشرة، عاد من رحلة فردية إلى مشهد لزيارة الإمام الرضا، فصرخ عند بوابة دولت في طهران قائلا: “أي بلد هذا؟ أيّ ملك هذا؟ لقد اختنق الناس”. كان ذلك الغضب الممزوج بروح التمرد نذيرا مبكرا للمسار الثوري الذي سيخطّه في حياته لاحقا.

لقد قاده إعجابه الشديد بجماعة فدائيي الإسلام وزعيمها الشهيد السيد مجتبی نواب صفوي إلى الانخراط في العمل السياسي، فقد تركت أفكار نواب صفوي، الذي كان يرى أن الإسلام لا يحتاج إلى فقيه بقدر ما يحتاج إلى رجل شجاع يهاجم أعداءه، أثرا عميقا في فكر أندرزكو، ومنحته صلابة في الموقف ويقينا في الإيمان، وعندما أُعدم نواب صفوي عام 1955، تلقى علي صدمة قاسية، لكنه وقف على ضريحه ليعاهد نفسه بمواصلة الطريق ذاته.

في تلك الفترة، كان تشكيل هيئة المؤتلفة الإسلامية ـ التي نشأت من رحم الحسينيات الدينية وسوق طهران، وبمباركة آية الله الخميني ـ قد وفر إطارا حاضنا للنشاط الثوري، فانضم علي إلى هيئة الحاج صادق أماني الهمداني، ومنها انطلق في مساره التنظيمي، وبينما كان لا يزال يعمل في السوق بصناعة الصناديق المعدنية، تعرّف إلى شخصيات بارزة مثل الشهيد محمد بخارائي، ورضا صفار هرندي، ومرتضى نيك نجاد، وأقام معهم صلات تنظيمية، ثم شرع في توزيع منشورات آية الله الخميني، قبل أن ينخرط تدريجيا في الجناح العسكري للمؤتلفة الإسلامية، وكان لشخصية الحاج صادق أماني الروحية وشجاعته أثر بالغ في صقل مساره، ودفعه إلى الولوج في عالم العمل السري.

في عام 1964، أثار نظام الشاه غضب الثوار بعد إقراره قانون “الکابیتولاسیون الذي منح الرعايا الأميركيين في إيران حصانة قضائية، وقد عُدّ هذا القانون، في نظر العلماء و”هيئة مؤتلفة الإسلامية”، خيانة صريحة، وبناء على فتوى آية الله السيد محمد هادي ميلاني، تقرّر تنفيذ حكم الإعدام الثوري بحق رئيس الوزراء آنذاك حسن علي منصور، مهندس هذا القانون، وكان علي أندرزكو، البالغ من العمر آنذاك 27 عاما، أحد العناصر المحورية في العملية.

بذكاء وجرأة، ألقى أندرزكو  نفسه أمام سيارة الشرطة التي ترافق موكب منصور، مما أحدث إرباكا في خط سير الحراسة، هذا الارتباك أتاح المجال لرفيقه محمد بخارائي كي يطلق النار، فأصابت رصاصاته بطن منصور وحلقه، غير أن مسدسه تعطل بعد ذلك، كان أندرزكو، المكلَّف بدور المراقب والمنفّذ الأخير، على أهبة الاستعداد لإنهاء المهمة إذا لزم الأمر، إلا أن نجاح بخارائي جعل تدخله غير ضروري. وبعد تنفيذ العملية، توجّه أندرزكو  مع مرتضى نيك نجاد ورضا صفار هرندي إلى ميدان شوش، حيث سلّموا السلاح إلى الحاج صادق أماني.

شكّلت هذه العملية ضربة قاسية لنظام الشاه، لكنها ـ كما كان متوقعا ـ أطلقت موجة عارمة من الاعتقالات والتعذيب، فقد اعتُقل بخارائي، ونيك نجاد، وصفار هرندي، وأماني، وصدر بحقهم حكم الإعدام، أما أندرزكو ، الذي حكم عليه غيابيا بالإعدام، فقد أفلت بمهارة من قبضة جهاز “السافاك”، رغم صدور أمر مباشر من الشاه باعتقاله، وقد تعرّضت أسرته وذووه للمضايقات والتحقيقات، لكنه ظلّ بعيد المنال بفضل حنكته وقدرته على التخفي.

بعد اغتيال منصور، بدأ أندرزكو  حياة سرية صارت من أعجب فصول سيرته، إذ لجأ إلى استخدام 24 هوية وجواز سفر مزوّر، متخفيا وراء أسماء مستعارة مثل: الشيخ عباس الطهراني، أبو الحسن سبهرنيا، الدكتور حسيني، ومحمد حسين جوهرجي. وفي عام 1965، عبر إلى العراق متنكرا بهوية مزوّرة، وتروي زوجته أنه استطاع بخدعة بارعة إقناع قبطان سفينة بالتوجّه نحو السواحل العراقية، ثم اجتاز الحدود متظاهرا بأنه طالب علوم دينية، لينجح في العبور أمام أعين حرس الحدود العراقيين.

في مدينة النجف، التقى علي أندرزكو  بآية الله الخميني، وحمل بياناته السرية إلى إيران لتوزيعها. وفي عام 1966 عاد إلى قم متخفّيا باسم الشيخ عباس الطهراني، حيث التحق بالحوزة العلمية، وتلقى الدروس على يد كبار العلماء مثل آية الله مشکيني، ومكارم الشيرازي، والدوزدوزاني، فدرس التفسير والأخلاق وكتاب اللمعة. ومع ذلك، لم تُثنه دراسته عن نشاطه الثوري؛ إذ شارك في احتجاجات ضد بناء سينما اتُّهمت بترويج الثقافة الغربية، بل ساهم مع مجموعة عباس آباد في تفجيرها، وقد فتح هذا الحادث ملفا جديدا في سجلات جهاز “السافاك” باسم الشيخ عباس الطهراني، ما اضطره إلى مغادرة قم.

انتقل بعدها إلى الحوزة العلمية في قائم – جيذر بطهران، حيث قام بالتدريس، وإلقاء الخطب، وإمامة الصلاة، وكان يبدو للناس مجرد طالب علم بسيط، غير أنه في الخفاء ظل ينظم المجموعات الثورية، ويوفر لها السلاح والمنشورات. وفي عام 1970، وبوساطة حجة الإسلام هاشمي، تزوج من فتاة تنتمي إلى عائلة مناضلة في جيذر، وكان زواجه بسيطا ومتواضعا، أثمر أربعة أبناء ذكور، لكن حياته الزوجية لم تخلُ من المشقة، فقد ظلّت مطاردة “السافاك” تلاحقه وتلقي بظلالها الثقيلة على أسرته.

لقد كانت حياة أندرزكو  في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي رقصة دقيقة بين الخطر والإيمان، فقد كرّس جهاز “السافاك” كل طاقته لملاحقته، حتى إن أية خيوط بسيطة ـ كالشبه في الملامح مع أشخاص آخرين ـ كانت كفيلة بالاعتقال والتحقيق. ففي إحدى الحالات، اعتُقل رجل في كلبايكان لمجرد أنه جلس بجانب متجر نجارة! أما أسرة أندرزكو  ـ زوجته ووالده وإخوته ـ فقد تعرضوا مرارا للاستجواب والمضايقات، لكنه، بذكائه الحاد وحسّه الأمني المرهف، كان ينجو في كل مرة من شِباك النظام.

في عام 1972، وبعد انكشاف أمر أحد أصدقائه، اضطر أندرزكو  إلى مغادرة جيذر والعودة إلى قم، ثم انتقل إلى مشهد ومنها سافر مع زوجته إلى أفغانستان، غير أن الظروف هناك لم تكن مناسبة، فعاد مجددا ليستقر في مشهد. في تلك الفترة، اتخذ لنفسه اسم الدكتور حسيني، واشتغل بالطب التقليدي، حيث كان يعالج المرضى بمعارفه في الطب الإسلامي، كما سافر إلى لبنان، وانضم إلى دورات عسكرية تابعة لحركة فتح، مما عزز من مهاراته القتالية وحياته الفدائية.

إحدى أكبر التحديات التي واجهها أندرزكو  كانت اختراق عناصر “السافاك” للجماعات الثورية، ففي عام 1978، تمكن الجهاز، عبر مراقبة هاتف أحد أصدقائه، من الوصول إلى مكان إقامته في مشهد. ومع ذلك، ظلّ حتى اللحظة الأخيرة يتصرف بحذر شديد؛ فعندما حاصروه، ابتلع الأوراق التي تحوي معلومات حساسة، ولوّث وثائقه بدمه كي يمنع تسريب أي خيوط تؤدي إلى رفاقه.

لم يكن أندرزكو  مجرد مقاتل، بل كان استراتيجيا بارعا، فقد تولّى تأمين الأسلحة من أفغانستان ولبنان، وجهّز بها شبكات من المناضلين الذين لعبوا لاحقا دورا أساسيا في اللجان الثورية بعد انتصار الثورة، ويروي الحاج أحمد قديريان، أحد رفاقه، أن الأسلحة التي أدخلها أندرزكو  إلى إيران كانت من أوائل ما استُخدم خلال الثورة، كما أنه كان ينقل بيانات آية الله الخميني من النجف إلى إيران، وكان له دور حاسم في توزيعها.

وفي مشهد، أسهم أندرزكو  في تنظيم المجموعات الثورية وتدريبها عسكريا، وكان من بين الذين تأثروا بجهوده شخصيات بارزة مثل آية الله السيد علي خامنئي، والشهيد عبدالكريم هاشمي نجاد، وآية الله طبسي، وقد روى السيد خامنئي أن أندرزكو  كان في إحدى المرات ينقل سلاحا وقنابل يدوية مخبأة تحت قفص مليء بالدجاج، وكان يمازح قائلا بابتسامة: “هذه دجاجات بيّاضة”

لم يقتصر تأثير السيد علي أندرزكو  على عملياته المسلحة، بل تجاوزه إلى التعليم في الحوزات العلمية وإلقاء الخطب الدينية، حيث نشر المعارف الإسلامية وأسهم في توعية الناس، وتدل مكتبته الشخصية على عمق ثقافته واتساع مطالعاته، كما كان مولعا بالشعر الديني، وظلّ إلى جانب نضاله الثوري يولي اهتماما بنشر الثقافة الإسلامية.

كان أندرزكو  رجلا يجمع بين الشجاعة والذكاء والإيمان في صيغة نادرة، فقد نشأ منذ طفولته في الفقر والحرمان، لكنه لم ينحنِ أمام الظلم، وكان دافعه الأساس هو إقامة حكومة إسلامية وتحرير إيران من هيمنة الأجانب، وقد تأثر بعمق بأفكار نواب صفوي وآية الله الخميني، وعدّ نفسه جنديا مخلصا في خدمة أهدافهما.

امتاز بخفة روحه وصلته الودية بالناس، ولا سيما الأطفال، الأمر الذي جعله محبوبا في القلوب، كان يخبئ الأسلحة في أقفاص الدجاج، ويكلّف الأطفال بنقلها إلى عناوين محددة، واثقا من أن أحدا لن يثير الشكوك حولهم، هذا الذكاء الممزوج بحرصٍ شديد على التخفي أبقاه بعيدا عن متناول جهاز “السافاك”.

كما كان أندرزكو  شديد التمسك بالمبادئ الدينية؛ ففي ليلة استشهاده شارك في إحياء ليلة القدر، منشغلا بالدعاء والعبادة، وكان يردد دوما أنه لن يقع حيا في قبضة “السافاك”، وقد برّ بقسمه؛ فعندما باغتته المنية، دمّر ما بحوزته من وثائق ليحمي رفاقه.

وفي التاسع عشر من رمضان عام 1979، وبينما كان في طريقه إلى منزل صديقه الحاج أكبر صالحي في شارع إيران بطهران، وقع في كمين نصبته له قوات “السافاك”، أصابته رصاصة في ساقه، لكنه قاوم بشجاعة وأطلق النار على مطارديه، عندها انهالت عليه مئات الرصاصات، فسقط شهيدا وهو صائم، وفي لحظاته الأخيرة، وضع في فمه قصاصات ورقية تحمل أرقام هواتف رفاقه، ولوّث وثائقه بدمه، كي لا يطالهم خطر الاعتقال.

بعد استشهاده، اقتحمت قوات السافاك منزله في مشهد وصادرت ما فيه من ممتلكات، شملت الأسلحة وأشرطة الكاسيت ومبلغا من المال نقدا، ونُقلت زوجته وأطفاله الصغار إلى طهران حيث تعرضوا للمضايقات، غير أنّ الإمام الخميني، عقب انتصار الثورة في العام نفسه، أولى أسرته عناية خاصة وأشاد بصبرهم وثباتهم.

كان السيّد علي أندرزكو  أكثر من مجرد مناضل، بل رمزا للمقاومة، فقد أثبتت حياته السرّية التي اختارها أنّ الإرادة الصلبة قادرة على إفشال أعتى أجهزة الأمن. امتزج في أسلوبه التخفي بالشجاعة والإيمان، فجعله ذلك من أبرز الشخصيات المؤثرة في مسيرة الثورة الإيرانية. 

لم يقتصر حضوره على ميدان المواجهة فحسب، بل عاش في وجدان الناس أيضا؛ إذ دلّت بساطته وخفة روحه وصلته الوثيقة بالجماهير على أن الثائر، مهما كان جادا، يمكن أن يكون إنسانا ودودا وقريبا من القلوب.

وتشهد وثائق السافاك، وذكريات رفاقه، وروايات أسرته على شجاعته وذكائه الاستثنائي، وتؤكد تقارير السافاك أنّها، رغم ما أنفقته من أموال طائلة ومراسلات لا تحصى، عجزت عن الإيقاع به إلى أن تعاون معها عناصر مخترَقون.

وقال الإمام الخميني عن الشهيد أندرزكو : «نحن مدينون بنصف الثورة لأندرزكو ، ولو كان بيننا عشرة من أمثاله لكان الإسلام قد بسط سلطانه على العالم.» كان أندرزكو  ركنا راسخا من أركان الثورة، ولولاه لربما سارت مسيرة الكفاح على نحو مختلف. إنّ حياته قصة تلهم كلّ عاشق للحرية وتستدعي الإعجاب والفخر.