استهلاك مفرط يهدد الطاقة: إيران بين وفرة الغاز وأزمة المازوت

Image

نشرت صحيفة “وطن امروز” الإيرانية، الأربعاء 3 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تقريرا تناولت فيه الارتفاع الحاد في استهلاك الغاز وتأثيره على محطات توليد الكهرباء، مشيرة إلى اتساع دائرة الاعتماد على المازوت وما يرافقه من تبعات بيئية واقتصادية.

Image

أزمة الغاز تعيد المازوت إلى الواجهة

ذكرت الصحيفة أن الاستهلاك اليومي لأكثر من 21 مليون لتر من المازوت في محطات الطاقة في البلاد أعاد مرة اخرى قضية إدارة الطاقة وتبعاتها البيئية إلى صدارة الأخبار. 

وتابعت أن إيران تعيش وضعا تواجه فيه محطات الطاقة قيودا في تأمين الغاز الطبيعي بسبب الاستهلاك غير المنضبط للغاز، وهذا الامر أدى إلى زيادة استخدام المازوت بوصفه وقودا بديلا، وهذا المسار لا يساهم فقط في تفاقم تلوث الهواء، بل يؤدي أيضا إلى هدر الموارد. 

Image

وأضافت أنه في الوقت الذي تستطيع فيه إيران تصدير موارد الغاز، يجري هدر هذه الموارد بسبب الاستهلاك المفرط، وحتى في فترات ذروة الاستهلاك تضطر إيران إلى استيراد الغاز، وهذا الامر يعكس ضعفا في السياسات وإدارة موارد الطاقة من قبل وزارة النفط.

وأوضحت أن حاليا تعمل 13 محطة مازوت في إيران، وهذه المحطات تلجأ إلى استهلاك المازوت بحسب اوضاع العرض والطلب على الغاز وكذلك حالة الصيانة في الوحدات. 

وأكدت أنه بشكل إجمالي يجري حرق نحو 21.1 مليون لتر من المازوت يوميا في 15 محطة في البلاد؛ وهو رقم يعكس اعتمادا كبيرا لقطاع إنتاج الكهرباء على هذا الوقود الثقيل والملوث.

تداعيات خطيرة

ذكرت الصحيفة أن محمد جواد فروغي، مدير عام مكتب التخطيط لتشغيل الإنتاج في شركة توليد الطاقة الحرارية الإيرانية، أوضح سبب استخدام المازوت بدلا من الغاز: “في الفصول الباردة يرتفع استهلاك الغاز المنزلي بشكل حاد وتنخفض حصة محطات الطاقة من الغاز.”

وتابعت أن فروغي قال أنه في مثل هذه الظروف، إذا جرى تخصيص الحصة المحدودة من الغاز لمحطات المازوت، ستكون محطات الديزل مضطرة إلى استخدام الوقود البديل.

وأضافت أن فروغي تابع أن هذا الأمر يؤدي إلى انخفاض سريع في مخزون الديزل في البلاد ويتسبب في أزمات مشابهة للعام الماضي، لذلك تقوم السياسة الحالية على أن تستخدم محطات المازوت المازوت، حتى يقل استهلاك الديزل في بقية المحطات.

كما أوضحت أن تبعات هذه السياسة واسعة للغاية، أولا، يُعد المازوت واحدا من أكثر أنواع الوقود تلوثا، والاستخدام الواسع له في محطات الطاقة يؤدي إلى زيادة الجسيمات المعلقة والكبريت في الهواء. 

وأكدت أن هذا الأمر أسهم في تفاقم أزمة تلوث الهواء في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان والأهواز، وثانيا، يرتفع معدل الأمراض التنفسية والقلبية الناتجة عن تلوث الهواء، وهو ما يفرض تكاليف باهظة على نظام الصحة في البلاد. 

وأشارت إلى أن التبعة الثالثة فهي عدم الكفاءة الاقتصادية؛ استخدام المازوت بدلا من الغاز الطبيعي يعكس ضعفا في إدارة موارد الطاقة وعدم القدرة على تطوير البنية التحتية للغاز، وهذا الوضع يؤدي إلى انخفاض كفاءة المحطات وارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء.

جذر التناقض في سياسات الطاقة

ذكرت الصحيفة أن هذا التناقض في سياسات الطاقة يظهر رغم امتلاك إيران أحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم، إذ لا تزال محطات التوليد تعتمد على المازوت. 

وتابعت أن أسباب هذا التناقض تشمل ارتفاع الاستهلاك المنزلي للغاز نتيجة غياب سياسات إدارة الاستهلاك، وضعف تطوير بنى نقل وتخزين الغاز، إضافة إلى غياب التنسيق بين وزارتي النفط والطاقة. 

وأوضحت أن الحلول المقترحة تتمثل في تنويع مزيج الطاقة، وتطوير الطاقة المتجددة، والاستثمار في البنية التحتية، وترشيد الاستهلاك، وخفض الاعتماد على المازوت. 

وأكدت أن استهلاك أكثر من 21 مليون لتر يوميا يعكس ضعف إدارة الاستهلاك، وهذه الأزمة ستستمر ما لم يُعتمد نهج موحد وطويل الأمد لإدارة موارد الطاقة.

إنتاج واستهلاك الغاز في إيران

ذكرت الصحيفة أن إيران تمتلك أكثر من 33 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات المؤكدة للغاز، ما يجعلها ثاني دولة في العالم من حيث الموارد الغازية. 

Image

وتابعت أنه يجري تأمين القسم الأكبر من هذا الإنتاج، أي أكثر من 70%، من حقل بارس الجنوبي العملاق، وتُقدّر القدرة الإنتاجية اليومية للبلاد في الظروف المثالية بنحو الف مليون متر مكعب.

وأضافت أنه في السنوات الأخيرة وصل الإنتاج السنوي لإيران إلى نحو 275 مليار متر مكعب؛ وهو رقم رسخ مكانة إيران بين أكبر ثلاثة منتجين للغاز في العالم.

وأوضحت أنه على الرغم من هذا المستوى من الإنتاج، فإن الاستهلاك الداخلي للغاز في إيران مرتفع للغاية، وتُظهر الإحصاءات أن إيران، مع امتلاكها 1% فقط من سكان العالم، تستهلك ما يقرب من 6% من غاز العالم. 

وأكدت أن إيران تستهلك سنويا نحو 246 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يضعها في المرتبة الرابعة بين أكبر مستهلكي الغاز في العالم. 

وأشارت إلى أنه في حين لا تمتلك سوى 1%  من سكان العالم، لكنها تستهلك نحو 6% من إجمالي غاز العالم؛ وهو رقم يعكس فجوة كبيرة بين قدرة الموارد ونمط الاستهلاك الداخلي.

إيران رابع أكبر مستهلك للغاز عالميا

Image

ذكرت الصحيفة أنه على المستوى العالمي، تأتي 3 دول رئيسية قبل إيران، وهي الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر مستهلك للغاز في العالم، إذ تستهلك سنويا أكثر من 800 مليار متر مكعب. 

وتابعت أن اتساع الصناعات كثيفة الطاقة، وإنتاج الكهرباء بالغاز الطبيعي، والاستهلاك المنزلي والتجاري المرتفع، تُعد أهم أسباب هذا الحجم الضخم من الاستهلاك، وبعد الولايات المتحدة، تحتل روسيا المرتبة الثانية بوصفها ثاني أكبر مستهلك للغاز. 

وأضافت أن استهلاك روسيا السنوي من الغاز يبلغ نحو 400 مليار متر مكعب، فيما تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي لتأمين حاجاتها من الطاقة، وبسبب احتياطياتها الضخمة فإن اعتمادها على هذا المصدر مرتفع.

وأوضحت أن الصين تأتي في المرتبة الثالثة باستهلاك سنوي يُقدر بنحو 360 مليار متر مكعب، وقد أدى النمو الاقتصادي السريع، وتوسع الصناعات، وارتفاع الطلب على الطاقة خلال العقد الأخير إلى زيادة كبيرة في استهلاك الغاز في الصين.

وأكدت أن إيران تحتل المرتبة الرابعة بعد هذه الدول الثلاث، لكن الملاحظة المهمة أن استهلاك الغاز للفرد في إيران أعلى بكثير من المعدل العالمي. 

وأشارت إلى أن الإحصاءات ذكرت أن كل إيراني يستهلك نحو 5 أضعاف المتوسط العالمي من الغاز. 

وتابعت أن هذا الفرق الواضح يُظهر أن مشكلة إيران ليست في نقص الموارد، بل في نمط الاستهلاك غير المتوازن وضعف إدارة الطاقة؛ وهو أمر أدى في نهاية المطاف إلى أزمة اختلال التوازن في الغاز، والضغط على محطات الطاقة والصناعات، ودفع البلاد نحو استخدام وقود ملوث مثل المازوت.

الاستهلاك المفرط يفاقم أزمة الغاز

ذكرت الصحيفة أن الجزء الأكبر من الاستهلاك يتركز في القطاعات المنزلية والتجارية، وفي الفصول الباردة يؤدي الارتفاع الشديد في الاستهلاك المنزلي إلى تقليص حصة محطات الطاقة من الغاز. 

وتابعت أن هذا النمط غير المتوازن للاستهلاك دفع محطات الطاقة نحو استخدام وقود ملوث مثل المازوت، وأسهم في تفاقم الأزمات البيئية.

وأضافت أنه على المستوى العالمي، بلغ استهلاك الغاز في عام 2023 نحو 4100 مليار متر مكعب، وبلغ استهلاك الفرد من الغاز الطبيعي في إيران خلال العام نفسه نحو 2881 متر مكعب، ما يضع البلاد بعد الإمارات والسعودية وروسيا في المرتبة الرابعة من حيث أعلى استهلاك للفرد. 

وأوضحت أنه بمعنى آخر، فإن استهلاك الغاز لدى الإيرانيين يعادل نحو 5 أضعاف المتوسط العالمي، وفي حين تمكنت العديد من الدول المتقدمة من خلال سياسات إدارة الاستهلاك، وكفاءة الطاقة، وتنويع مصادرها من منع حدوث مثل هذا الاختلال، لا تزال إيران تواجه نمطا استهلاكيا مفرطا.

وأكدت أن هذا الوضع يُظهر في مجمله أن إيران، رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة من الغاز، تواجه تحدي اختلال التوازن بسبب الاستهلاك الداخلي المفرط، وضعف البنى التحتية للنقل والتخزين، وغياب سياسات فعالة لإدارة الاستهلاك.

وأشارت إلى أن هذا التحدي لم يدفع فقط محطات الطاقة نحو استهلاك المازوت وزاد تلوث الهواء، بل يثبت ايضا أنه من دون تعديل نمط الاستهلاك والاستثمار الجدي في البنى التحتية، فإن حتى أكبر احتياطيات الغاز في العالم لن تكون قادرة على تلبية حاجات البلاد.